الثلاثاء، 15 سبتمبر 2015
البيانات الشخصية في قبضة الـ CIA
بواسطة:أدمن
12:58 ص
كشف تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، أن وكالة الأمن القومي الأميركية تقوم بتطوير تقنيات تسمح لها باستغلال تطبيقات الهواتف الذكية للوصول إلى معلومات خاصة بالمُستخدمين.
ووفق الصحيفة فإن الوكالة تستطيع استغلال تطبيقات، مثل تطبيق لعبة "الطيور الغاضبة" Angry Birds الشهيرة للوصول إلى معلومات عن المُستخدم، مثل العمر والجنس والموقع الجُغرافي، كما أن تطبيقات أُخرى قد توفر معلومات أكثر حساسية، حسب ما جاء في وثائق سربها إدوارد سنودن، المُتعاقد السابق مع الوكالة.
ويُشكل الوصول إلى بيانات الهاتف والموقع الجُغرافي للمُستخدم، الأولوية القصوى لدى الوكالة، وذلك لجلب معلومات عن الإرهابيين وأهداف استخباراتية أُخرى، حيث أنفقت ما يزيد عن مليار دولار لصالح برامج التجسس الخاصة باستهداف الهواتف الذكية.
ولتوضيح قُدرة برامج الوكالة، أشار التقرير إلى أنه وبمجرد قيام المُستخدم برفع صورة إلى وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام هاتفه الذكي، تستطيع الوكالة جمع معلومات مثل جهات الاتصال في هاتف المُستخدم، وعناوين البريد الإلكتروني، وموقع المُستخدم.
وتستفيد الوكالة من تطبيقات التواصل الاجتماعي للحصول على كافة البيانات المُخزنة في حسابات المُستخدمين، مثل العمر والجنس والميول ومكان التواجد والمُستوى العلمي وغيرها.
ويُذكر أن الوكالة قالت سابقاً إنها لا تستهدف ببرامج التجسس خاصتها الأمريكيين، بل توجه تلك البرامج نحو أهداف استخباراتية أجنبية.
وأشارت الوثائق كذلك إلى الوكالة تمتلك أدوات تسمح لها باختراق هواتف مُحددة، عبر طُرق عديدة تحمل إحداها اسم "Nosey Smurf".
وتواجه وكالة الأمن القومي الأميركية ضغوطاً من جهات ومحاكم عديدة، تطلب منها التخلي عن برامج التجسس باهظة التكلفة التي تمتلكها، والتي ظهرت معلومات واسعة عنها مؤخراً، تم الكشف عنها من قبل إدوارد سنودن، المُتعاقد السابق مع الوكالة.
"Angry bird"
http://www.kataeb.org/ar/page/technology/details/567
نظرية فيلتمان، نصف مليار دولار إضافي لمواجهة حزب الله
بواسطة:أدمن
12:57 ص
هادي قبيسي
جيفري فيلتمان الأستاذ، خريج الجامعة الأمريكية الإستعمارية التي تمرست في إخضاع الشعوب المستضعفة في بلدان ما يطلق عليه جوراً العالم الثالث، والتي ورثت عهوداً استعمارية أوروبية عريقة. البذلة الأنيقة التي يعتمدها رجال السياسة الأمريكية والشعارات المصممة بشكل فني راقٍ، والصالونات والقاعات الفخمة، تدل على مدى تهذيب ورقي الدولة الأمريكية، التي تتربع على عرش الإستعمار الحديث وهي الدولة الأكثر عدوانية وهمجية في التاريخ البشري، واللغة الديبلوماسية هي القفاز الذي تستعمله هذه الدولة، التي ليس هناك من وصف صادق لها سوى الشيطان الأكبر، هي غشاء رقيق يستر سياساتها للمحافظة على حضورها كقطب واحد. حتى هذا التعبير اللطيف (القطب الواحد) حقيقته هي المحافظة على تفردها في نهب الخيرات واستعباد البلاد والعباد.
بتاريخ الثامن من تموز عام 2010 حضر الأستاذ ببذلته الأنيقة ليقدم شهادة في الصالون الفخم لمجلس الشيوخ حول تقييم قدرات حزب الله، بصفته مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط. أهمية الشهادة الشهيرة تكمن في أنها تشرح نظرية متكاملة للمواجهة، وتشكل الدليل العملاني للشبيبة اللبنانية المعادية للمقاومة، ومن خلال استقرائها يمكن لنا فهم المانيفستو الكامل للفريق السياسي الأمريكي والفوج الصحافي الملحق به، الذي يحدد الأستاذ ميزانيته خلال أربع سنوات سابقة على الإدلاء بالشهادة بـ 500 مليون دولار مطالباً مجلس الشيوخ بعدم تخفيض الميزانية.
الألاعيب الإستعمارية القديمة مع أدواتها النمطية حاضرة أمام الأستاذ على الطاولة، تعلَّم أن كل حركة مقاومة ينبغي أن تُسلب المشروعية لتتم محاصرتها في الوطن والمحيط، ومن ثم يمكن العمل لتحويلها إلى حالة سلبية في نظر مجتمعها فتحصل التفرقة التي تؤدي إلى سيادة المستعمر.
المقدمة وافية "حزب الله يهدد مصالح الولايات المتحدة، لبنان، وشركاءنا في الشرق الأوسط وخصوصاً اسرائيل" في حين أن الرؤية الأمريكية قائمة على أساس سلام شامل من خلال انخراط "سوريا ولبنان كطرفين كاملي الشراكة"، المصلحة الإمبراطورية تكمن في السلام وحزب الله يهدد وطنه وأمريكا وإسرائيل، لبنانا وإسرائيل صديقان لولا حزب الله.
يبدأ الأستاذ بتعليم التلاميذ فن السياسة، يغرف من معينه الإستعماري ويعطي بكرم، أولاً في التأسيس "استغل حزب الله البنية الطائفية للمجتمع اللبناني بهدف اجتذاب التأييد الشعبي في وسط شرائح لديها شعور تقليدي بالتهميش .. محاولاً تقديم نفسه كجزء طبيعي من النظام السياسي اللبناني وكمدافع عن مصالح لبنان" التي تتولى الولايات المتحدة الدفاع عنها، ونسمعه يلقن فتيانه الأشداء في فريق 14 آذار الجمل التالية من فصل (فن المؤامرة) في كتاب "أصول المهنة" : عدم رغبة حزب الله في الإنصياع للقانون وسلطة الدولة الرسمية، حيازته للسلاح، استخدامه المتكرر للقوة، خرق القرار 1701، العمل لمصلحة الحزب الخاصة ومصالح إيران، التسبب بالحروب، وهو، أي حزب الله، كما يستمر الأستاذ في التلقين، يختلف عن سائر المجموعات اللبنانية التي تسعى للعب دور بناء في النظام السياسي اللبناني، فهو الميليشيا الوحيدة التي ترفض التخلي عن سلاحها، وإن نظرة إلى الصراع الكارثي عام 2006 ستبين لنا مدى خطورة وجود السلاح في يد حزب الله، ففي تلك الحرب قرر الحزب بشكل منفرد اتخاذ خطوات استدرجت البلاد نحو صراع مفتوح، وفي أيار عام 2008 هاجم الحزب المدنيين اللبنانيين، ولا ينسى فيلتمان بحرصه المعروف على تنشئة صف سياسي فاعل الإشارة إلى تورط الحزب في تجارة وتهريب المخدرات، وكذلك إلى شبكة الحزب للإتصالات التي تسرق الخزينة العامة على حد قوله.
السرد حتى الآن يتحدث عن الضرورة الكامنة في المصلحة الأمريكية التي تبرر استهداف المقاومة في لبنان، ولكن سيصل الأستاذ فيلتمان الآن إلى استخدام صيغة قانونية وسياسية ملزمة، تميز نظرته إلى الحزب عن النظرة الأمريكية تجاه حركات أخرى مماثلة في الشرق الأوسط.
"في الخامس والعشرين من أيار هذا العام (2010) قال حسن نصر الله في خطابة للمرة الأولى بأن الحزب مستعد لقصف السفن الإسرائيلية التجارية والعسكرية في حال استهدفت اسرائيل المرافئ اللبنانية أو حاصرت لبنان بحرياً في أي حرب قادمة" هنا اختلفت المقاربة، كأنه يضرب بيده على الطاولة : انتباه ! ممنوع أن تدافعوا عن أنفسكم أيها اللبنانيون ! ويبدأ بعرض مقاربة مباشرة وإلزامية أمام أعيان مجلس الشيوخ مفترضاً أن تلاميذه الصغار في لبنان سيكونون في حالة تجاهل، ولا شك أن بعضهم يردد آمين، يبدأ "إدارة أوباما ملتزمة بتأمين أمن إسرائيل ومساعدة إسرائيل في الدفاع عن نفسها.. لقد تعاونت الولايات المتحدة بشكل وثيق مع إسرائيل لتطوير قدراتها الدفاعية في مواجهة الصواريخ الباليستية".
يشرح مفصلاً عمق الروابط الإلزامية تجاه إسرائيل، فهنا يتحرك ضمير الأعيان في مجتمع الكاوبوي القذر "سلاح حزب الله تهديد لكل من لبنان وإٍسرائيل .. وهو يدعي أنه يحمل السلاح للدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل وينال شعبيته بذلك، في الواقع يستخدم الحزب الصراع مع إسرائيل لكسب التأييد الشعبي وتشريع امتلاكه للترسانة الضخمة من الأسلحة، ليتمكن من العمل كنقطة ارتكاز لإيران في المنطقة" هذا ليس فارس سعيد، للتنبيه، إنه أستاذه، والصف السياسي ببغاوات.
يستكمل فيلتمان مقاربته التي تشكل الدليل العملاني الملزم لفريقه اللبناني، يشير إلى استغلال الحزب لانتصار عام 2000، ومؤكداً بأن السلام الشامل لن يستثني المصالح اللبنانية، لكن وللأسف فإن إيران وحزب الله لديهم رؤية مختلفة ترفض حق إسرائيل في الوجود، وهنا عمق ومحور المشكلة.
المقدمات الأدبية والسياسية وتلك الإلزامية المتعلقة بحماية اسرائيل سيقت لأجل المحافظة على تدفق المال للفريق اللبناني، لقد تم دفع نصف مليار دولار منذ عام 2006، وذلك في سبيل دعم بدائل التطرف، وحصر قدرة حزب الله على استقطاب الشباب، ودعم الجمهور من خلال احترام حقوقه وتوفير فرص مناسبة له، "من خلال USAID و MEPI استثمرنا خمسمائة مليون دولار في هذا المجال منذ عام 2006 .. وإذا سمحنا بتراجع هذه الميزانية سنتسبب بخلق ظروف يستطيع حزب الله في ظلها، عبر ملء الفراغ، أن يزداد قوة وتطوراً".
قدم لنا أستاذ الإستعمار الحديث نظرية مكرورة تمت تجربتها منذ قرون مع سائر حركات المقاومة التي انطلقت في الدول المحتلة أو تلك المهددة بالإحتلال، نجحت حيناً وفشلت حيناً آخر في إخماد حالة الرفض والممانعة، واليوم لا بد من إفادة ممثل مملكة الجشع الأمريكية، السيد فيلتمان، بأن المقاومة تملك ما لا يشترى بالمال، تملك القلوب الجاهزة للتضحية وتملك القلوب الصابرة لأمهات الشهداء التي ترى في السيدة زينب عليها السلام نموذجاً في بناء مجتمع عزيز ومستقل وقادرة على مواجهة الإمبراطورية وتوابعها الصغار والكبار .. كد كيدك فها هي المقاومة تنمو أكثر مما كانت عام 2006 و 2010 وسيأتي اليوم الذي يتم فيه دفن الكتب والنظريات الإستعمارية في تراب الجليل.
رابط النص الكامل لشهادة جيفري فيلتمان :
http://www.state.gov/p/nea/rls/rm/142857.htm
رابط الفيديو الخاص بالشهادة :
http://link.brightcove.com/services/player/bcpid1705667530?bctid=90672309001
الأدوار الخفية للمنظمات غير الحكومية
بواسطة:أدمن
12:55 ص
هادي قبيسي
"إن الكثير مما نقوم به اليوم كانت تقوم به وكالة الإستخبارات المركزية قبل خمس وعشرين عاماً"
آلان وينستاين 1991 / مؤسس الوقفية الوطنية للديموقراطية
تأسست الوقفية الوطنية للديموقراطية بعد مرحلة ريغان مباشرةً بعد انكشاف عدد كبير من أنشطة السي آي إي، فتم إنشاء لجنة متخصصة للإشراف على عمل الإستخبارات، رسمت توجهاً جديداً للعمل تحت غطاء المنظمات غير الحكومية التي ترفع الشعارات الديموقراطية في مختلف أصقاع العالم، فكان إنشاء الوقفية في هذا السياق. ويوضح لنا الرئيس الأول للمؤسسة كارل غيرشمان في تصريح له عام 1986 طبيعة الوقفية والحاجة الكامنة خلف تأسيسها بالقول :"لم يعد ممكناً للمجموعات الديموقراطية حول العالم أن تنظر لنفسها على أنها عميلة للسي آي إي". ويعتبر الكاتب ديفون دوغلاس بوير تعليقاً على حالة الوقفية ومؤسسات أخرى مشابهة من حيث الدور والغطاء أنه و"في حين أن للمنظمات غير الحكومية تأثيراً إيجابياً على المجتمع ككل، ينبغي الإلتفات إلى خلفيتها، من المسؤول عنها، ومن أين تحصل على تمويلها، لأن طبيعة هذه المنظمات في تغير، وهي تنخرط أكثر فأكثر في المنظومة الإمبريالية للسيطرة والإستغلال، وأصبحت تمثل بعثات امبريالية" (للمزيد أنظر : NGOs: Missionaries of Empire).
أخذنا هذا المثال للإضاءة على قضية من قضايا الآن، البالغة الحساسية، وهي تمويل الدول الإستعمارية الغربية القديمة والجديدة، لمنظمات غير حكومية وفق برامج "ديموقراطية" محددة، في البلدان التي كانت سابقاً، في الأمس البعيد أو القريب، هدفاً للإحتلال الإستعماري المباشر، وهي الآن هدف للإستعمار الحديث.
ترى هل بدأت هذه الأنشطة بعد ريغان فقط؟ أم أن لها سوابق تاريخية؟ يؤكد الباحث المتخصص وليام ديمارس في دراسة له نشرت في الفصلية المتخصصة للإستخبارات أن :" التعاون بين المنظمات غير الحكومية والأجهزة الإستخباراتية الأمريكية له تاريخ طويل من التطور، فمنذ تأسيس وكالة الإستخبارات المركزية عام 1947 قامت ببناء خطوط اتصال مع عدد كبير من المؤسسات الأمريكية خارج البلاد، من ضمنها المؤسسات التجارية، الكنائس، المؤسسات الإعلامية، والمؤسسات الرعائية والخدماتية. بعض تلك الخطوط تمت الإستفادة منها لتمويل بعض المؤسسات بشكل سري. وتلك المؤسسات كانت تدعم وتمول المنظمات غير الحكومية. حركة هذه المؤسسات تمت الإستفادة منها في جمع المعلومات الإستخبارية، وكذلك شكلت جزءاً من البنية التحتية للأفراد الذين يمكن تجنيدهم للعمل السري". إذن هي جزء من عملية تهيئة بيئة سياسية واجتماعية لنقلها من حالة العداء مع المستعمر إلى حالة التعاون "الديموقراطي" معه مروراً بحالة انكسار الحواجز النفسية المختلفة بالتدريج. ويؤكد الباحث في نفس الدراسة أن " المنظمات غير الحكومية المتنوعة ومختلف الأجهزة الإستخباراتية الأمريكية تجد نفسها بشكل متزايد جنباً إلى جنب على خطوط الجبهات في مواجهة الحروب الصغيرة وحركات التمرد في العالم الثالث والدول السوفياتية السابقة"، مرجعاً تعويل أجهزة الإستخبارات الأمريكية على المنظمات غير الحكومية إلى أن" المنظمات غير الحكومية والعاملين فيها يحصلون على معلومات لا تستطيع أجهزة الإستخبارات الحصول عليها من طرق أخرى"، حيث " تشكل الشبكة العالمية من المنظمات غير الحكومية مصدراً هاماً للمعلومات بالنسبة لأجهزة الإستخبارات الأمريكية" وفي كثير من الأحيان "يتم إرسال المعلومات التي تحصل عليها المنظمات غير الحكومية بشكل مباشر إلى قيادة وكالة الإستخبارات المركزية لتحليلها" (للمزيد أنظر : NGOs and United States Intelligence in Small Wars).
منظومة تعاون متكاملة وراسخة بين الإستخبارات والمنظمات دعت جامعة هانلي بوتنام المتخصصة في المجال الأمني إلى تقديم برنامج تعليمي خاص حول الدور الإستخباراتي للمنظمات غير الحكومية، وتوضح الجامعة على موقعها على الإنترنت مبررات إنشاء هذا البرنامج بالقول إن " ثمة أعمالاً استخباراتية عديدة جداً في دائرة نشاط المنظمات غير الحكومية، وهي تستفيد من باحثين ومحللين يمتلكون مجموعة مهارات استخباراتية خاصة".
يهتم موقع وكالة الإستخبارات المركزية بهذا الموضوع أيضاً فينشر دراسة حول ضرورة تطوير التعاون مع المنظمات غير الحكومية يؤكد فيها الباحث ألن ليبسون أن "أجهزة الإستخبارات الأمريكية تعمل في مناطق النزاعات جنباً إلى جنب مع المنظمات غير الحكومية" معتبراً أن " المعلومات التي توفرها المنظمات غير الحكومية تعد حيوية في عملية اتخاذ القرار السياسي" (للمزيد أنظر : Can the USG and NGOs Do More ).
دول عديدة واجهت هذه الظاهرة الشديدة الخطورة، المتمثلة بغزو المنظمات غير الحكومية لكل جوانب الحياة السياسية والإعلامية والإقتصادية والأمنية بتمويل وتوجيه من دولة أجنبية معادية بغطاء "ديموقراطي"، مصر ما بعد الثورة هي إحدى تلك الدول فبتاريخ 27 كانون أول 2011 داهمت قوات الأمن المصرية 17 مركزاً لمنظمات غير حكومية في القاهرة، كانت تعمل كغطاء لوكالة الإستخبارات المركزية، ولاحقاً وضعت أكثر من 400 منظمة غير حكومية تحت التحقيق، وكانت تلك العملية ذات تأثير سلبي كبير على نشاط الإستخبارات الأمريكية في الشرق الأوسط، ويؤكد الباحث باتريك هانينغسن أنه و" في العقود الخمس السابقة، عملت وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية بشكل غير مكشوف تقريباً في حين أنها كانت تتحرك تحت غطاء المنظمات غير الحكومية مثل USAID " (للمزيد أنظر : The CIA Operating behind a Web of “Pro-Demcracy” NGOs ).
في بوليفيا كذلك، تمت مواجهة زحف المنظمات العميلة، ويعتبر الرئيس البوليفي أن المنظمات غير الحكومية عملت بشكل سري متعاونةً مع أعداء بوليفيا للتآمر ضد البلاد، وهي تعتبر كمنظومة تجسسية. روسيا هي الأخرى أقرت قانوناً تعتبر فيه المنظمات الأجنبية جواسيس، و يقول الكسندر سيدياكين الذي اقترح القانون في مجلس الدوما بأن ثمة شبكة كاملة من المنظمات غير الحكومية التي تقع تحت نظر الشك لناحية تمويلها. (للمزيد أنظر : For Russian Government NGOs are Like spies).
إيران واجهت نفس المشكلة خلال الثورة الملونة التي جرت هناك عام 2009، ويشير موقع قناة برس تي في الإيراني باللغة الإنجليزية إلى الدور البريطاني الكبير في هذا المجال حيث تشعر بريطانيا بالحاجة إلى الحضور في الدول المعادية للقيام بالتغيير من الداخل على الرغم من استفادتها من كافة الوسائل الإستخباراتية المعاصرة المختلفة، مع التذكير بأن هذا المسار له تاريخ طويل، فبريطانيا استعملت المستكشفين والرحالة والكتاب وعلماء الآثار للتجسس على البلدان المختلفة (للمزيد أنظر : British govt. exploits NGOs to spy other countries ).
لبنان هو إحدى ساحات نشاط تلك المنظمات التي تعمل ضمن شبكات مرتبطة بالسفارات الأجنبية، واللافت للنظر عددها وانتشارها وتنوع نشاطاتها، ويمكن العودة إلى موقع يو أس إيد فرع لبنان لإلقاء نظرة واستكشاف طبيعة الإجتياح الأمريكي الذي يجري بصمت مستهدفاً العقول والقلوب في بلد المقاومة العربية الأول.
لا يمكن وضع كل المنظمات غير الحكومية في سلة واحدة وتصنيفها في خانة العمل الواعي لخدمة الأهداف الأمريكية لكن الأكيد أن المنظمات التي تتعاطى الشأن السياسي والإعلامي والتي شهدت طفرة في التمويل بعد حرب عام 2006 هي تخدم المشروع الأمريكي، الذي يحدد المصلحة الأمريكية في الشرق الأوسط بحماية اسرائيل. الدولة اللبنانية المنقسمة على نفسها في غاية العجز والضعف، تاركةً الحبل ملقىً على غاربه، فيما تجتاح مئات المنظمات البلاد ليجمع بعضها المعلومات عن المقاومة وتقوم أخرى بتحضير شرائح مختلفة للتعاون والتواصل مع وكر التجسس في السفارة الأمريكية.
الاثنين، 14 سبتمبر 2015
المرجعية والولاية
بواسطة:أدمن
1:20 ص
دور المعصومين عليهم السلامشكل أئمة أهل البيت عليهم السلام المرجعية للناس، فكانت علاقة الناس ترتبط بهم في بعديها
1- معرفة الأحكام الشرعية الثابتة المنزلة من اللَّه عزَّ وجلَّ. 2- تنفيذ المشروع الإسلامي السياسي والاجتماعي لتدبير أمور الناس وتنظيم علاقاتهم مع بعضهم البعض. الأئمة عليهم السلام يتصدون لكلا الأمرين معاً من خلال النص الإلهي الذي ينصّ عليهم بالإسم، إماماً بعد إمام، إلى زمن غيبة الإمام الحجة عجل الله فرجه. وفي زمن الغيبة الصغرى كان هناك نص بالإسم على سفراء الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف من قبل الإمام، لترجع إليهم الناس سفيراً بعد سفير، وأما في زمن الغيبة الكبرى فلم يعد هناك سفراء يسميهم الإمام بأسمائهم وإنما أرشد الناس إلى الفقهاء من خلال الصفات التي ينبغي توفرها فيهم. من يتصدى في غيبة الإمام؟من خلال البحث عن الصفات يمكن للمكلف سد الفراغ في هذين الدورين الموكلين للمعصوم عليه السلام أما معرفة الأحكام الشرعية، فقد أرشدتنا الروايات إلى شرطين أساسيين ينبغي ملاحظتهما في المرجع: الاجتهاد والعدالة، كما في الرواية عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام: "من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه"1، وهذا من شأن دور المرجعية، فمن توفرت فيه الصفات يكون مرجعاً يقلده الناس. وأما تنفيذ المشروع السياسي والاجتماعي وتدبير أمور الناس، فلا يكفي فيها الاجتهاد والعدالة بل لا بد من الكفاءة أيضاً، فالإنسان الذي لا يمتلك الكفاءة لن يكون قادراً على قيادة الأمة وتحقيق مصالحها حتى لو فرضنا أنه الأعلم على المستوى الفقهي. إختلاف المرجع عن الوليإذا كان المجتهد الأكفأ هو الأعلم الذي يقلده المكلف، فإن هذه الصيغة هي الصيغة الأفضل والأقرب إلى ما كان عليه الأمر في حضور المعصوم ومن اجتماع الدورين في شخص واحد. وأما إذا كان الأكفأ شخص اخر غير الأعلم الذي يقلده المكلف فهنا سيطرح المكلف هذا السؤال: من عليّ أن أطيع إذا فرضنا اختلاف المرجع والولي؟ وهذا السؤال لن يبقى له محل إذا عرفنا دور المرجع ودور الولي، وأين تقف حدود هذا الدور وذاك. دور المرجعإننا وعبر تحديد الدائرة التي يتم الرجوع فيها إلى مرجع التقليد نحل ما يحتمل من التعارض بين المرجعية والقيادة، فالأساس في رجوع الناس إلى المرجع وكما هو مذكور في كتب الفقهاء هو رجوع الجاهل إلى العالم أو الرجوع إلى أهل الخبرة فيما يختصون به. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(النحل:43). وقال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون﴾(التوبة:122). ومن ملاحظة هذا نعرف أن الفقيه وظيفته أن يخبر من يرجع إليه عن الحكم الإلهي، فهو يقوم بدور الإخبار عن الحكم الشرعي العام، ودون أن يهتم بتشخيص الموضوعات، ومثاله الصلاة بالثوب النجس، فإن المرجع يخبرني بعدم صحة الصلاة بالثوب النجس، ولكنه لا يحدد لي هل أن الثوب الذي ألبسه نجس أم طاهر، أي أنه لا يصدر حكماً بملاحظة الظروف الخاصة والحالات المحددة بل يخبرنا عما توصل إليه من الحكم العام بعد رجوعه إلى مصادر الحكم الشرعي. وخصوصية هذه الأحكام التي يصدرها المرجع هي أنه يصدرها كقاعدة عامة، وعلى المكلف أن يحدد حالته الخاصة التي تطرأ عليه، وأنه ما هو الحكم العام الذي ينطبق عليه، ولا يتدخل الفقيه في تحديد حالات أفراد المكلفين وهذا ما يقال له بأن "تشخيص الموضوع"بيد المكلف. دور الولي الفقيهبعد أن عرفنا أن الفقيه الولي هو الذي بيده إدارة المجتمع الإسلامي يتضح لنا أن دائرة الأحكام التي يصدرها الولي الفقيه تشمل دائرة الأحكام التي ترتبط بالنظام وشؤون المجتمع والدولة وهذا ما يسمّى "بالأحكام الولائية". فما هي الأحكام الولائية؟ إن الحكم الولائي هو حكمٌ يصدره الفقيه بعد تشخيصه للمصالح والمفاسد، وهو الذي ينشئه، أي أن وظيفة الولي هي الأمر والنهي بناءً على التشخيص، وليست وظيفته الإخبار عن الحكم العام بعيداً عن التشخيص كما هو شأن المرجع. وبناءً على ذلك فإن الأحكام التي يرجع فيها إلى ولاة الأمر هي 1- الأحكام القضائية: وهي الأحكام التي يصدرها الولي أو القضاة المنصبون من قبله، في موارد النزاع والخصومة والإختلاف، وهذه الأحكام نافذة حتى بحق المجتهد. 2- الأحكام الأولية العامة: وهي التي ترتبط بالشؤون العامة وما يرتبط بإدارة الدولة كالأمر بالجهاد أو عقد الصلح أو غير ذلك. فالولي الفقيه هو الذي يحدد أن شروط الجهاد متوفرة أو لا، وأن في الصلح مصلحة المسلمين أو لا؟ 3- الأحكام التي ترتبط بحفظ النظام: إن حفظ النظام وما هي الأحكام التي يمكن بها حفظ النظام، كل ذلك يرتبط بالولي الفقيه. وبناءً على ما تقدم، لا تنافي بين المرجعية والولاية حيث كانت الأحكام التي يُرجع فيها إلى المقلَّد غيرها التي يُرجع فيها إلى الولي. * دروس في ولاية الفقيه, إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية, ط1, تشرين الأول 2005م, ص 51-56.
1- وسائل الشيعة، ج 27، ص 131.
| |
الأحد، 13 سبتمبر 2015
الامام الجواد مظهر المقاومة
بواسطة:أدمن
10:33 ص
#الإمام_الخامنئي:
لقد كان #الإمام_الجواد تجليّاً لمكافحة الباطل وكان يسعى لإقامة حكومة الله. كان #مظهر_المقاومة. انسان عظيم قضى فترة عمره القصيرة في مواجهة قوة الخليفة العباسي -#المأمون- المزورة والمرائية ولم يتراجع قيد أنملة وتحمّل كافة الظروف الصعبة وكافح بكل وسائل #الكفاح المتاحة.
٠٨/٠٩/١٩٨٣
١٥/٠٥/١٩٨١
جوانب من أدوار الإمام عليه السلام وعصره
بواسطة:أدمن
10:26 ص
تُعدّ فترة إمامة الإمام التاسع محمّد الجواد عليه السلام، من أكثر الفترات حساسيّة وأهميّة في حياة الأئمّة عليهم السلام، فقد كانت فاتحة عهد جديد من عهود الإمامة وهي الإمامة المبكّرة التي تقدّم الحديث عنه، التي استطاعت أن تمهّد الطريق لإمامة الحجّة الغائب المنتظَر عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
ولا شكّ أنّ الإمام عليه السلام عمل كآبائه وأجداده عليهم السلام خلال فترة إمامته، على مختلف الصعد التي وفّرتها له الظروف التي عايشها وعاصره، وما أتيح له من العمل في سبيل هداية الناس، وسوقهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة. وسوف نسلّط الضوء على بعض هذه الجوانب المشرقة من حياته صلوات الله عليه وعلى أهل بيته. الإمام الجواد عليه السلام، وخوارق العادات: ظهرت على يدي هذا الإمام الكثير من المعجزات والكرامات وخوارق العادات، وذلك لتعزيز الدلالة على ما يمثّله هذا الإمام من حجّة لله تعالى في أرضه. خصوصاً أنَّ الرَّيب في هذا الأمر الذي تسبّب فيه صغر السنّ كان يحتاج إلى ما يدفعه أو يرفعه عن قلوب العديد من الضعفاء، وتقوية إيمانهم واعتقادهم من خلال أمرٍ لا يمكن ليد البشر أن تتناوله عادة. وقد نقلت الروايات الكثير من هذه الأمور:
منها: ما عن المطرِّفيّ قال: مضى أبو الحسن الرضا عليه السلام، ولي عليه أربعة آلاف درهم، فقلت في نفسي: ذهب مالي، فأرسل إليَّ أبو جعفر عليه السلام "إذا كان غداً فأتني وليكن معك ميزان وأوزان"، فدخلت على أبي جعفر عليه السلام فقال لي: "مضى أبو الحسن ولك عليه أربعة آلاف درهم؟" فقلت: نعم، فرفع المصلّى الذي كان تحته فإذا تحته دنانير فدفعها إليّ1.
ومنها: إخراجه لأبي الصلت الهرويّ من سجن المأمون العبّاسيّ، حيث عمد المأمون إلى سجنه بعد شهادة الإمام الرضا عليه السلام، يقول أبو الصلت- فيما روي عنه-: فحبست سنة فضاق عليّ الحبس، وسهرت الليلة ودعوت الله تبارك وتعالى بدعاء ذكرت فيه محمّداً وآل محمّد صلوات الله عليهم، وسألت الله بحقّهم أن يفرّج عنّي، فما استتمّ دعائي حتّى دخل عليّ أبو جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام، فقال لي: "يا أبا الصلت ضاق صدرك؟" فقلت: إي والله، قال: "قم"، فأخرَجني، ثمّ ضرب يده إلى القيود التي كانت عليّ ففكّها وأخذ بيدي وأخرجني من الدار والحرسة والغلمان يرونني فلم يستطيعوا أن يكلّموني وخرجت من باب الدار، ثمّ قال لي: "امضِ في ودائع الله فإنّك لن تصل إليه ولا يصل إليك أبداً"، فقال أبو الصلت: فلم ألتقِ المأمون إلى هذا الوقت2. ومنها: ما عن عليّ بن خالد قال: كنت بالعسكر3فبلغني أنّ هناك رجلاً محبوساً أُتي به من ناحية الشام مكبولاً، وقالوا: إنّه تنبَّأ. قال: فأتيت الباب وداريت البوابين حتّى وصلت إليه، فإذا رجل له فهم وعقل، فقلت له: يا هذا ما قصّتك؟ فقال: إنّي كنت رجلاً بالشام أعبد الله في الموضع الذي يقال: إنّه نصب فيه رأس الحسين عليه السلام، فبينا أنا ذات ليلة في موضعي مقبل على المحراب أذكر الله تعالى، إذ رأيت شخصاً بين يديّ، فنظرت إليه فقال لي: "قم"، فقمت معه فمشى بي قليلاً فإذا أنا في مسجد الكوفة، فقال لي: "أتعرف هذا المسجد؟" فقلت: نعم، هذا مسجد الكوفة، قال: فصلّى فصلّيت معه، ثمّ انصرف وانصرفت معه، فمشى قليلاً فإذا نحن بمسجد الرسول عليه السلام فسلّم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصلّى وصلّيت معه، ثمّ خرج وخرجت فمشى قليلاً فإذا أنا بمكّة، فطاف بالبيت وطفت معه، ثمّ خرج فمشى قليلاً فإذا أنا بموضعي الذي كنت أعبد الله تعالى فيه بالشام، وغاب الشخص عن عيني، فبقيت متعجّباً حولاً ممّا رأيت. فلمّا كان في العام المقبل رأيت ذلك الشخص فاستبشرت به، ودعاني فأجبته، ففعل كما فعل في العام الماضي، فلمّا أراد مفارقتي بالشام قلت له: سألتك بحقّ الذي أقدرك على ما رأيت منك إلّا أخبرتني من أنت؟ فقال: "أنا محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر". فحدّثت من كان يصير إليّ بخبره، فرقي ذلك إلى محمّد بن عبد الملك الزيّات، فبعث إليّ فأخذني وكبّلني في الحديد وحملني إلى العراق وحبست كما ترى، وادعى عليّ المحال. فقلت له: فأرفع عنك قصّة إلى محمّد بن عبد الملك الزيّات؟ فقال: افعل. فكتبت عنه قصّة شرحت أمره فيها ورفعتها إلى محمّد بن عبد الملك الزيّات، فوقّع في ظهرها: قل للذي أخرجك من الشام في ليلة إلى الكوفة ومن الكوفة إلى المدينة ومن المدينة إلى مكّة وردّك من مكّة إلى الشام، أن يخرجك من حبسك هذا. قال عليّ بن خالد: فغمّني ذلك من أمره ورققت له وانصرفت محزوناً عليه. فلمّا كان من الغد باكرت الحبس لأعلمه بالحال وآمره بالصبر والعزاء، فوجدت الجند وأصحاب الحرس وأصحاب السجن وخلقاً عظيماً من الناس يهرعون، فسألت عن حالهم فقيل لي: المحمول من الشام المتنبئ افتُقد البارحة من الحبس، فلا يُدرَى أخسفت به الأرض أو اختطفته الطير! وكان هذا الرجل- أعني عليّ بن خالد- زيديّاً، فقال بالإمامة لمّا رأى ذلك وحسن اعتقاده4. ومنها: ما عن داود بن القاسم الجعفريّ قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام ومعي ثلاث رقاع غير معنونة واشتبهت عليّ فاغتممت، فتناول إحداهما وقال: "هذه رقعة زياد بن شبيب"، ثمّ تناول الثانية، فقال:"هذه رقعة فلان"، فُبهتُّ أنا فنظر إليَّ فتبسّم، قال: وأعطاني ثلاثمائة دينار وأمرني أن أحملها إلى بعض بني عمّه وقال: "أما إنّه سيقول لك: دلّني على حَريف5يشتري لي بها متاعاً، فدلّه عليه"، قال: فأتيته بالدنانير فقال لي: يا أبا هاشم دلّني على حَريف يشتري لي بها متاعاً، فقلت: نعم. قال: وكلّمني جمّال أن أكلّمه له يدخله في بعض أموره، فدخلت عليه لأكلّمه له فوجدته يأكل ومعه جماعة ولم يمكنّي كلامه، فقال عليه السلام: "يا أبا هاشم كل" ووضع بين يديّ ثمّ قال- ابتداءً منه من غير مسألة-: "يا غلام انظر إلى الجمّال الذي أتانا به أبو هاشم فضمّه إليك"، قال: ودخلت معه ذات يوم بستاناً فقلت له: جُعلت فداك إنّي لمولع بأكل الطين، فادع الله لي، فسكت ثمّ قال (لي) بعد (ثلاثة) أيّام- ابتداءً منه-: "يا أبا هاشم قد أذهب الله عنك أكل الطين"، قال أبو هاشم: فما شيء أبغض إليّ منه اليوم6. ومنها: ما عن أبي هشام الجعفريّ قال: صلّيت مع أبي جعفر عليه السلام، في مسجد المسيّب وصلّى بنا في موضع القبلة سواء7وذكر أنّ السِّدرة التي في المسجد كانت يابسة ليس عليها ورق، فدعا بماء وتهيّأ تحت السِّدرة فعاشت السِّدرة وأورقت وحملت من عامها8. الإمام عليه السلام، والجانب العلميّ: كانت سنّ أبي جعفر عليه السلام عند مضيّ الإمام الرضا عليه السلام، صغيرةً- كما تقدّم- لا تتعدّى العشر السنوات، ما أوقع بعض الشيعة في حيرة بادئ الأمر، كونه أمراً غريباً لم يألفوه فيما عايشوه من أمر الإمامة، فاجتمع من فقهاء بغداد والأمصار وعلمائهم ثمانون رجلاً وخرجوا قريب الحجّ إلى المدينة، وأتوا دار عبد الله بن موسى بن جعفر عليه السلام، ليتعرّفوا عن كثب على حقيقة الأمر9.
وتظهر الروايات أنّ هؤلاء الشيعة كانوا يتعرّفون على هذا الأمر على أساس المعايير التي عرفوها عن أهل بيت العصمة عليهم السلام، فعندما خرج إليهم عبد الله بن موسى وهو شيخ وقال الناس: هذا صاحبن، قال الفقهاء من الشيعة: قد روينا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام أنّه "لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين"، وليس هذا صاحبنا10.
ثمّ تتحدّث الروايات بعد ذلك أنّ هؤلاء الشيعة أخذوا يسألون عن معضلات المسائل ويمتحنون عبد الله في علمه كون هذا الأمر من الشرائط الأساسيّة التي لا بدّ أن تكون في الإمام المنصوب والحجّة من الله تعالى على خلقه، وكان عبد الله يخطأ في الجواب إلى الدرجة التي حيّرت الحاضرين من جرأته على الخطأ11، وورد على الشيعة ما زاد في غمّهم وحزنهم..حتّى إنّهم ضجّوا بالبكاء، إلى أن انتهى الأمر بخروج الإمام الجواد عليه السلام، على الناس وهو صغير السنّ، وأجاب القوم عن مسائلهم قائلاً لعمّه: "يا عمّ، اتّقِ الله، ولا تُفْتِ وفي الأُمّة مَن هو أعلم منك"..ما أدخل السرور على قلب القوم الذين فرحوا بأجوبته وظهور أمره على أمر عبد الله12. وفي الاختصاص عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم قال: حدّثني أبي قال: لمّا مات أبو الحسن الرضا عليه السلام حججنا فدخلنا على أبي جعفر عليه السلام وقد حضر خلق من الشيعة من كلّ بلد لينظروا إلى أبي جعفر عليه السلام، فدخل عمُّه عبد الله بن موسى وكان شيخاً كبيراً نبيلاً عليه ثياب خشنة وبين عينيه سجّادة فجلس، وخرج أبو جعفر عليه السلام من الحجرة وعليه قميص قصب ورداء قصب ونعل جَدَد13بيضاء، فقام عبد الله فاستقبله وقبّل بين عينيه، وقام الشيعة وقعد أبو جعفر عليه السلام على كرسيّ ونظر الناس بعضهم إلى بعض وقد تحيّروا لصغر سنه، فابتدر رجل من القوم فقال لعمّه: أصلحك الله ما تقول في رجل أتى بهيمة؟ فقال: تُقطع يمينه ويُضرب الحدّ، فغضب أبو جعفر عليه السلام ثمّ نظر إليه فقال: "يا عمّ اتق الله! اتق الله! إنّه لعظيم أن تقف يوم القيامة بين يدي الله عزّ وجلّ فيقول لك: لِمَ أفتيت الناس بما لا تعلم؟" فقال له عمّه: أستغفر الله يا سيّدي، أليس قال هذا أبوك صلوات الله عليه؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: "إنّما سئل أبي عن رجل نبش قبر امرأة فنكحها، فقال أبي: تقطع يمينه للنبش ويضرب حدّ الزن، فإنّ حرمة الميِّتة كحرمة الحيَّة"، فقال: صدقت يا سيّدي وأنا أستغفر الله، فتعجّب الناس وقالوا: يا سيّدنا أتأذن لنا أن نسألك؟ قال: "نعم"، فسألوه في مجلس عن ثلاثين ألف مسألة فأجابهم فيها وله تسع سنين14. وقد أورد في الكافي ذيل هذه الرواية عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، وفيها أنّه قال: أستأذن على أبي جعفر عليه السلام قوم من أهل النواحي من الشيعة، فأذن لهم فدخلوا فسألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب عليه السلام، وله عشر سنين15.
ولعلّ العدد الوارد في هذه الرواية فيه شيء من المبالغة، إلّا أنّ الظاهر كون المراد منه كثرة الأسئلة، ومن الواضح أنّها لم تقع في زمان ويوم واحد، بل المراد وحدة المجلس من حيث المكان16ومن الطبيعيّ أنّه طال أيّام، ليستوعب هذا الحجم من المسائل، وأنّه تناول جميع المجالات العلميّة والمعرفيّة، ما يشير إلى الحجم الكبير من الأسئلة الذي أورده هؤلاء، وهم خلق من الشيعة من كلّ بلد، كما في رواية الاختصاص، أو من نواحٍ مختلفة كما في رواية الكافي، وأنّهم كانوا يحتاجون إلى إبراز هذا الجانب الأساسيّ في الإمام عليه السلام، وهو ما لفت نظر المأمون بعد ذلك الذي شغف بأبي جعفر عليه السلام لما رأى من فضله وعلمه على صغر سنه كما سيأتي.
ولعلَّ الوضع الخاصّ جدّاً الذي تميّز به الإمام الجواد عليه السلام، أي تولّيه الإمامة في سنٍّ مبكّرة، هو الذي جعل الناس يهتمّون بطرح الأسئلة الكثيرة عليه17، ممّا يدلّل على أنّ ذهنيّة الشيعة في التعريف بالإمام كانت- مضافاً إلى النصّ- هي أن يكون لديه من العلم ما ليس عند غيره من سائر الناس، فيجيب عن أسئلة الناس واستفساراتهم مهما كانت صعبة وعويصة. ويظهر من الروايات أنّ الإمام الجواد عليه السلام - سواء كان في بغداد أم في المدينة- قد استغلّ فترة حياته التي عاشها خلال حكم المأمون- وهي تشكّل الفترة الأكبر من حياته عليه السلام - في أداء رسالته، واجتمع فيها الشيعة على إمامته وروى عنه الرواة عشرات الأحاديث في مختلف المواضيع18. وقد بلغ عدد الرواة عن الإمام أبي جعفر الجواد عليه السلام - على ما أحصاه بعضهم- مائة وواحداً وعشرين رجلاً حدّثوا عنه في مختلف العلوم والمعارف الدينيّة19. ويجد المتتبّع في مصادر الفقه الشيعيّ هنا وهناك ما يوحي بأنّ بعض الرواة كان يتصل به مباشرة فيقول: سألت أبا جعفر الثاني، وبعضهم كان يكتب إليه فيقول: كتبت إليه أسأله عن كذ، وأحياناً يقول الراوي: سألت أبا جعفر عليه السلام..20. مع أصحابه وشيعته: تابع الإمام عليه السلام مسيرة آبائه وأجداده في تربية النخبة والجماعة الصالحة، وكان له من أصحابه وأصحاب آبائه عليهم السلام عدّة من هؤلاء الأشخاص الذين تميّزوا بالعلم والعمل، وعرفوا بمحبّتهم وولائهم لهم عليهم السلام. ونشير ها هنا إلى بعض النماذج من هؤلاء الأصحاب العظام:
1- عليّ بن جعفر: أخو الإمام موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن أبي طالب عليهم السلام، كان جليل القدر ثقة21.
يقول الشيخ المفيد عنه: وكان عليّ بن جعفر رضي الله عنه راويةً للحديث، سديد الطريق، شديد الورع، كثير الفضل، ولزم أخاه موسى عليه السلام وروى عنه شيئاً كثيراً22، وفي موضع آخر وصفه بأنّه من الفضل والورع على ما لا يختلف فيه اثنان23. وعن محمّد بن الحسن بن عمّار قال: كنت عند عليّ بن جعفر بن محمّد جالساً بالمدينة وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما يسمع من أخيه- يعني أبا الحسن عليه السلام - إذ دخل عليه أبو جعفر محمّد بن عليّ الرضا عليه السلام المسجد- مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - فوثب عليّ بن جعفر بلا حذاء ولا رداء فقبّل يده وعظّمه، فقال له أبو جعفر عليه السلام: "يا عمّ، اجلس رحمك الله"، فقال: يا سيّدي كيف أجلس وأنت قائم؟ فلمّا رجع عليّ بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبّخونه ويقولون: أنت عمّ أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل؟ فقال: اسكتوا إذا كان الله عزّ وجلّ- وقبض على لحيته- لم يؤهّل هذه الشيبة وأهّل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه، أنكر فضله؟! نعوذ بالله ممّا تقولون، بل أنا له عبد24. وروى الكشيّ عن أبي عبد الله الحسن بن موسى بن جعفر، قال: كنت عند أبي عليه السلام، بالمدينة وعنده عليّ بن جعفر وأعرابيّ من أهل المدينة جالس، فقال لي الأعرابي: من هذا الفتى؟ وأشار بيده إلى أبي جعفر عليه السلام. قلت: هذا وصيُّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا سبحان الله! رسول الله قد مات منذ مائتي سنة وكذا وكذا سنة، وهذا حدث كيف يكون هذا؟ قلت: هذا وصيّ عليّ بن موسي، وعليّ وصيّ موسى بن جعفر، وموسى وصيّ جعفر بن محمّد، وجعفر وصيّ محمّد بن عليّ، ومحمّد وصيّ عليّ بن الحسين، وعليّ وصيّ الحسين، والحسين وصيّ الحسن، والحسن وصيّ عليّ بن أبي طالب، وعليّ وصيّ رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين. قال: ودنا الطبيب ليقطع له العرق، فقام عليّ بن جعفر، فقال: يا سيّدي يبدأني ليكون حدّة الحديد بي قبلك، قال: قلت: يهنئك، هذا عمّ أبيه، قال: فقطع له العرق، ثمّ أراد أبو جعفر عليه السلام النهوض فقام عليّ بن جعفر فسوّى له نعليه حتّى لبسهما25. 2- صفوان بن يحيى: أبو محمّد البجليّ بيّاع السابريّ، الكوفيّ، الثقة. كان قد روى عن الرضا عليه السلام، وكانت له عنده منزلة شريفة. وقد توكّل للرضا وأبي جعفر عليه السلام، وسلم مذهبه من الوقف، وكانت له منزلة من الزهد والعبادة، وكان جماعة الواقفة بذلوا له مالاً كثيراً، وكان شريكاً لعبد الله بن جندب وعليّ بن النعمان. ورُوي أنّهم تعاقدوا في بيت الله الحرام أنّه من مات منهم صلّى من بقي صلاته وصام عنه صيامه وزكّى عنه زكاته. فماتا وبقي صفوان، فكان يصلّي في كلّ يوم مائة وخمسين ركعة، ويصوم في السنة ثلاثة أشهر ويزكّي زكاته ثلاث دفعات، وكلّ ما يتبرّع به عن نفسه ممّا عدا ما ذكرناه يتبرّع عنهما مثله. وحكى أصحابنا أنّ إنساناً كلّفه حمل دينارين إلى أهله إلى الكوفة فقال: إنّ جمالي مكريّة وأنا أستأذن الأجراء. وكان من الورع والعبادة على ما لم يكن عليه أحد من طبقته رحمه الله. وصنّف ثلاثين كتاباً26. وكان الإمام الجواد عليه السلام يترحّم عليه ويترضّى عنه، ولَمّا مات في سنة عشر ومائتين بالمدينة بعث إليه أبو جعفر عليه السلام بحنوطه وكفنه، وأمر إسماعيل بن موسى بالصلاة عليه27. 3- عليّ بن مهزيارالأهوازيّ: أبو الحسن. كان أبوه نصرانيّاً فأسلم. وقد قيل: إنّ عليّاً أيضاً أسلم وهو صغير، ومنَّ الله عليه بمعرفة هذا الأمر، وتفقّه، وروى عن الرضا وأبي جعفر عليه السلام، واختصّ بأبي جعفر الثاني عليه السلام وتوكّل له وعظّم محلّه منه، وكذلك أبو الحسن الثالث عليه السلام وتوكّل لهم في بعض النواحي، وخرجت إلى الشيعة فيه توقيعات بكلّ خير، وكان ثقة في روايته لا يطعن عليه، صحيحاً اعتقاده28. وكان من أهل "هندكان" قرية من قرى فارس، ثمّ سكن الأهواز فأقام بها، وكان إذا طلعت الشمس سجد، وكان لا يرفع رأسه حتّى يدعو لألفٍ من إخوانه بمثل ما دعا لنفسه، وكان على جبهته سجّادة مثل ركبة البعير. وله مصنّفات كثيرة زيادة على ثلاثين كتاباً29. جرى بينه وبين أبي الحسن المقرئ عليّ بن أسباط بن سالم- بيّاع الزطّي30الذي كان فطحيّاً- رسائل في ذلك، رجعوا فيها إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام، فرجع عليّ بن أسباط عن ذلك القول وتركه31. وفي كتاب لأبي جعفر عليه السلام إليه ببغداد: "قد وصل إليّ كتابك، وقد فهمت ما ذكرت فيه، وملأتني سروراً، فسرّك الله، وأنا أرجو من الكافي الدافع أن يكفي كيد كلّ كائدٍ إن شاء الله تعالى". وفي كتابٍ آخر: "وقد فهمت ما ذكرت من أمر القمّيّين، خلّصهم الله وفرّج عنهم، وسررتني بما ذكرت من ذلك، ولم تزل تفعل، سرّك الله بالجنّة ورضي عنك برضائي عنك، وأنا أرجو من الله حسن العون والرأفة، وأقول: حسبنا الله ونعم الوكيل". وفي كتاب آخر بالمدينة: "فاشخص إلى منزلك، صيّرك الله إلى خير منزل في دنياك وآخرتك". وفي كتابٍ آخر: "وأسأل الله أن يحفظك من بين يديك ومن خلفك وفي كلّ حالاتك، فأبشر فإنّي أرجو أن يدفع الله عنك، وأسأل الله أن يجعل لك الخيرة فيما عزم لك به عليه من الشخوص في يوم الأحد، فأخّر ذلك إلى يوم الاثنين إن شاء الله، صحبك الله في سفرك وخلفك في أهلك وأدّى غيبتك وسلمت بقدرته". (وعن عليّ بن مهزيار أنّه قال): وكتبت إليه أسأله التوسع عليّ والتحليل لما في يديّ؟ فكتب: "وسّع الله عليك، ولمن سألت به التوسعة في أهلك، ولأهل بيتك ولك يا عليّ عندي من أكبر التوسعة، وأنا أسأل الله أن يصحبك بالعافية ويقدمك على العافية ويسترك بالعافية إنّه سميع الدعاء". وسألتُه الدعاء، فكتب إليّ: "وأمّا ما سألت من الدعاء فإنّك بعدُ لست تدري كيف جعلك الله عندي، وربّما سمّيتك باسمك ونسبك، مع كثرة عنايتي بك ومحبّتي لك ومعرفتي بما أنت إليه، فأدام الله لك أفضل ما رزقك من ذلك، ورضي عنك برضائي، وبلّغك أفضل نيّتك، وأنزلك الفردوس الأعلى برحمته، إنّه سميع الدعاء حفظك الله وتولّاك ودفع الشرّ عنك برحمته، وكتبت بخطّي"32. التمهيد للإمام الحجّة عجل الله فرجه الشريف: يعدّ وجود هذا الإمام العظيم نفسه وتولّيه الإمامة في سنٍّ مبكّرة، تمهيداً عمليّاً للإمام الحجّة عجل الله فرجه الشريف، الذي تولّى الإمامة في سنٍّ مبكّرة أيض، ويضاف إلى هذا الأمر ما حدّث به الإمام الجواد عليه السلام، عن ولده الإمام الحجّة عجل الله فرجه الشريف، فقد روي عنه في هذا المجال روايات عديدة:
منها: ما رواه الشيخ الصدوق رحمه الله بسنده عن عبد العظيم بن عبد الله بن عليّ بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام (الحسني) قال: دخلت على سيّدي محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، وأنا أريد أن أسأله عن القائم أهو المهديّ أو غيره؟ فابتدأني فقال لي: "يا أبا القاسم، إنّ القائم منّا هو المهديّ الذي يجب أن يُنتظر في غيبته، ويُطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، والذي بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوّة وخصّنا بالإمامة إنّه لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وإنّ الله تبارك وتعالى ليصلح له أمره في ليلة، كما أصلح أمر كليمه موسى عليه السلام إذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو رسول نبيّ"، ثمّ قال عليه السلام: "أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج"33.
ومنها: ما رواه أيضاً بسنده عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ قال: قلت لمحمّد ابن عليّ بن موسى عليهم السلام: إنّي لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، فقال عليه السلام: "يا أبا القاسم: ما منّا إلّا وهو قائم بأمر الله عزّ وجلّ، وهادٍ إلى دين الله، ولكن القائم الذي يطهِّر الله عزّ وجلّ به الأرض من أهل الكفر والجحود، ويملأها عدلاً وقسطاً هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سميُّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنيّه، وهو الذي تُطوى له الأرض، ويذلّ له كلّ صعب (و) يجتمع إليه من أصحابه عدّة أهل بدر: ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، من أقاصي الأرض، وذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره.."34. الحديث. ومنها: عن الصقر ابن أبي دلف قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الرضا عليه السلام يقول: "إنّ الإمام بعدي ابني عليّ، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والإمام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه"، ثمّ سكت. فقلت له: يا بن رسول الله، فمن الإمام بعد الحسن؟ فبكى عليه السلام بكاءً شديداً، ثمّ قال: "إنّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحقّ المنتظر". فقلت له: يا بن رسول الله، لِمَ سُمِّيَ القائم؟ قال: "لأنّه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته". فقلت له: ولِمَ سُمِّيَ المنتظر؟ قال: "لأنّ له غيبة يكثر أيّامها ويطول أمده، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيها الوقّاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلِّمون"35. مع خلفاء عصره: عاصر الإمام الجواد عليه السلام، اثنين من خلفاء بني العبّاس هما: المأمون والمعتصم. مع المأمون: هو عبد الله بن هارون الرشيد، سابع خلفاء بني العبّاس، أُمُّه جارية خراسانيّة، اسمها: "مراجل". وقد ماتت بعد ولادتها إيّاه، وهي ما تزال نفساء. فنشأ يتيم الأمّ. وقد كانت أمّه- كما يقول المؤرّخون- أشوه وأقذر جارية في مطبخ الرشيد36. دفعه أبوه إلى جعفر بن يحيى البرمكيّ، فنشأ في حجره. وُلد في سنة 170 ه. وتوفّى سنة 218ه. كان قد برع في العلوم والفنون، حتّى فاق أقرانه، بل فاق جميع خلفاء بني العبّاس، وقالوا فيه: إنّه كان أفضل رجال بني العبّاس: حزماً، وعزماً، وحلماً، وعلماً، ورأياً، ودهاءً، وهيبةً، وشجاعةً، وسؤدداً، وسماحةً.. وغير ذلك37. وقد عاصر الإمام الجواد المأمون العبّاسيّ فترة طويلة حوالي أربعَ عشرةَ سنة، وهي أطول فترات حياته الشريفة. ولم يكن المأمون يجهل ذلك الشأن من الإمام الجواد عليه السلام، ولا رأي الشيعة فيه، لكنّ سياسته اقتضت أن يرفع مكانة أبي جعفر عليه السلام، ويعظّم شأنه، كما تظاهر قبل هذا مع أبيه أبي الحسن عليه السلام، فاستدعاه من المدينة مكرّماً إلى بغداد وأظهر له من العناية ما استفزّ بني العبّاس حتّى خافوا أن يعهد إليه كما عهد إلى أبيه من قبل. ولكنّهم جهلوا ما يقصده وراء ذلك الإكرام، وجهلوا أنّ السياسة ألوان وأنّ لكلِّ عهد عملاً ولون، فاستمرُّوا في ملامته واستمرّ في كيده حتّى زوّجه بابنته أمّ الفضل وهي التي قتلته بالسمّ بإشارة من المعتصم، فكأنّه ادّخرها للجواد لمثل هذا اليوم38. يقول الشيخ المفيد أعلى الله مقامه: كان المأمون قد شغف بأبي جعفر عليه السلام لما رأى من فضله مع صغر سنّه، وبلوغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان، فزوّجه ابنته أُمَّ الفضل وحملها معه إلى المدينة، وكان متوفّراً على إكرامه وتعظيمه وإجلال قدره. الزواج من ابنة المأمون: روى الحسن بن محمّد بن سليمان، عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الريّان بن شبيب قال: لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته أُمَّ الفضل أبا جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام، بلغ ذلك العبّاسيّين فغلظ عليهم واستكبروه، وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى مع الرضا عليه السلام، فخاضوا في ذلك، واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه فقالوا له: ننشدك الله- يا أمير المؤمنين- (أن تقيم) على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا، فإنّا نخاف أن يخرج به عنّا أمر قد ملّكناه الله، ويُنزع منّا عزٌّ قد ألبسناه الله وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً، وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت، حتّى كفانا الله المهمّ من ذلك، فالله الله أن تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنّا، واصرف رأيك عن ابن الرضا واعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره. فقال لهم المأمون: أمّا ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو أنصفتم القوم لكان أولى بكم، وأمّا ما كان يفعله من كان قبلي بهم فقد كان قاطعاً للرحم، أعوذ بالله من ذلك، ووالله ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا، ولقد سألته أن يقوم بالأمر وأنزعه عن نفسي فأبى، وكان أمر الله قدراً مقدوراً!! وأمّا أبو جعفر محمّد بن عليّ فقد اخترته لتبريزه على كافّة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنّه، والأعجوبة فيه بذلك، وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه فيعلموا أنّ الرأي ما رأيت فيه. فقالوا: إنّ هذا الصبيّ وإن راقك منه هديه، فإنّه صبيّ لا معرفة له ولا فقه، فأمهله ليتأدّب ويتفقّه في الدّين، ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك. فقال لهم: ويحكم! إنّني أعرف بهذا الفتى منكم، وإنّ هذا من أهل بيت علمهم من الله وموادّه وإلهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدّين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن به ما وصفت من حاله. قالوا له: قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فخلِّ بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة، فإن أصاب في الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره وظهر للخاصّة والعامّة سديد رأي أمير المؤمنين، وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه. فقال لهم المأمون: شأنكم وذاك متى أردتم. مع قاضي القضاة ابن أكثم: فخرجوا من عنده وأجمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم- وهو يومئذٍ قاضي القضاة- على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوماً للاجتماع، فأجابهم إلى ذلك. واجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه، وحضر معهم يحيى بن أكثم، وأمر المأمون أن يُفرش لأبي جعفر عليه السلام، دست39، وتجعل له فيه مِسْوَرَتانِ40، ففُعل ذلك، وخرج أبو جعفر عليه السلام وهو يومئذٍ ابن تسع سنين وأشهر، فجلس بين المسورتين، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه، وقام الناس في مراتبهم والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر عليه السلام. فقال يحيى بن أكثم للمأمون: يأذن لي أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر؟ فقال له المأمون: استأذنه في ذلك، فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أتأذن لي- جعلت فداك- في مسألة؟ فقال له أبو جعفر عليه السلام: "سل إن شئت" قال يحيى: ما تقول- جُعلت فداك- في مُحرِمٍ قتل صيداً؟ فقال له أبو جعفر: "قتله في حِلٍّ أو حَرَم؟ عالماً كان المُحرِمُ أم جاهلاً؟ قتله عمداً أو خطأً؟ حُرّاً كان المحرم أم عبداً؟ صغيراً كان أم كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أم معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد كان أم كبارها؟ مصرّاً على ما فعل أو نادماً؟ في الليل كان قتله للصيد أم نهاراً؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً؟"، فتحيّر يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع ولجلج حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره، فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي. ثمّ نظر إلى أهل بيته وقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثمّ أقبل على أبي جعفر عليه السلام فقال له: أتخطب يا أبا جعفر؟ قال: "نعم يا أمير المؤمنين"، فقال له المأمون: اخطب، جعلت فداك لنفسك، فقد رضيتك لنفسي وأنا مزوِّجك أمّ الفضل ابنتي وإن رغم قوم لذلك. خطبة الزواج: فقال أبو جعفر عليه السلام: "الحمد لله إقراراً بنعمته، ولا إله إلّا الله إخلاصاً لوحدانيّته، وصلّى الله على محمّد سيّد بريّته والأصفياء من عترته. أمّا بعد: فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، ثمّ إنّ محمّد بن عليّ بن موسى يخطب أمّ الفضل بنت عبد الله المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدّته فاطمة بنت محمّد عليه السلام وهو خمسمائة درهم جياداً، فهل زوّجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور؟". قال المأمون: نعم، قد زوّجتك أبا جعفر أمّ الفضل ابنتي على هذا الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟ قال أبو جعفر عليه السلام: "قد قبلت ذلك ورضيت به". فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم في الخاصّة والعامّة. قال الريّان: ولم نلبث أن سمعنا أصواتاً تشبه أصوات الملّاحين في محاوراتهم، فإذا الخدم يجرّون سفينة مصنوعة من فضّة مشدودة بالحبال من الإبريسم41على عجل مملوءة من الغالية42، فأمر المأمون أن تخضّب لحى الخاصّة من تلك الغالية، ثمّ مُدّت إلى دار العامّة فطُيِّبوا منها، ووُضعت الموائد فأكل الناس، وخرجت الجوائز إلى كلّ قوم على قدرهم. تفصيل الإمام عليه السلام، لسؤال ابن أكثم: فلمّا تفرّق الناس وبقي من الخاصّة من بقي، قال المأمون لأبي جعفر: إن رأيت- جُعلت فداك- أن تذكر الفقه فيما فصّلته من وجوه قتل المحرم الصيدَ لنعلمه ونستفيده. فقال أبو جعفر عليه السلام: "نعم، إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحِلِّ وكان الصيد من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، فإن كان أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، وإذا قتل فرخاً في الحِلِّ فعليه حَمَلٌ قد فطم من اللبن، وإذا قتله في الحرم فعليه الحَمَل وقيمة الفرخ، وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبياً فعليه شاة، فإن قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه للحجّ نحره بمنى، وإن كان إحرامه للعمرة نحره بمكّة. وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد له المأثم، وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفّارة على الحرّ في نفسه، وعلى السيّد في عبده، والصغير لا كفّارة عليه، وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة، والمصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة". فقال له المأمون: أحسنت- أبا جعفر- أحسن الله إليك، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك. فقال أبو جعفر ليحيى: "أسألك؟". قال: ذلك إليك- جُعلت فداك- فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلّا استفدته منك. فقال له أبو جعفر عليه السلام: "خبِّرني عن رجل نظر إلى امرأة في أوّل النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النهار حلّت له، فلمّا زالت الشمس حرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر حلّت له، فلمّا غربت الشمس حرمت عليه، فلمّا دخل عليه وقت العشاء الآخرة حلّت له، فلمّا كان انتصاف الليل حرمت عليه، فلمّا طلع الفجر حلّت له، ما حال هذه المرأة وبماذا حلّت له وحَرُمَتْ عليه؟". فقال له يحيى بن أكثم: لا والله ما أهتدي إلى جواب هذا السؤال، ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدناه، فقال له أبو جعفر عليه السلام: "هذه أمة لرجل من الناس نظر إليها أجنبيّ في أوّل النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلمّا كان الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر تزوّجها فحلّت له، فلمّا كان وقت المغرب ظاهر منها فحَرُمت عليه، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظهار فحلّت له، فلمّا كان نصف الليل طلّقها واحدة فحَرُمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له". قال: فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته فقال لهم: هل فيكم أحد يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب، أو يعرف القول فيما تقدّم من السؤال؟! قالوا: لا والله، إنّ أمير المؤمنين أعلم وما رأى. فقال لهم: ويحكم، إنّ أهل هذا البيت خُصُّوا من الخلق بما ترون من الفضل، وإنّ صغر السنّ فيهم لا يمنعهم من الكمال، أما علمتم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام وحكم له به، ولم يدع أحداً في سنّه غيره. وبايع الحسن والحسين عليه السلام وهما ابنان دون الستّ سنين ولم يبايع صبيّاً غيرهما، أفلا تعلمون الآن ما اختصّ الله به هؤلاء القوم، وأنهّم ذريّة بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم؟! قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين، ثمّ نهض القوم. فلمّا كان من الغد أحضر الناس، وحضر أبو جعفر عليه السلام، وصار القوّاد والحجّاب والخاصّة والعمّال لتهنئة المأمون وأبي جعفر عليه السلام، فأخرجت ثلاثة أطباق من الفضّة فيها بنادق مسك وزعفران معجون، في أجواف تلك البنادق رقاع مكتوبة بأموال جزيلة وعطايا سنيّة وإقطاعات، فأمر المأمون بنثرها على القوم من خاصّته، فكان كلّ من وقع في يده بندقة، أخرج الرقعة التي فيها والتمسه فأطلق له. ووُضعت البِدَرُ43، فنُثر ما فيها على القوّاد وغيرهم، وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا. وتقدّم المأمون بالصدقة على كافّة المساكين. ولم يزل مكرماً لأبي جعفر عليه السلام، معظّماً لقدره مدّة حياته، يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته44. من حيل المأمون: وعن محمّد بن الريّان قال: احتال المأمون على أبي جعفر عليه السلام بكلّ حيلة، فلم يمكنه فيه شيء، فلمّا اعتلّ وأراد أن يبني عليه ابنته دفع إلى مائتي وصيفة من أجمل ما يكون، إلى كلّ واحدة منهنّ جاماً فيه جوهر يستقبلن أبا جعفر عليه السلام إذا قعد في موضع الأخيار. فلم يلتفت إليهنّ وكان رجل يُقال له:"مخارق" صاحب صوت وعود وضرب، طويل اللحية، فدعاه المأمون فقال: يا أمير المؤمنين إن كان في شيء من أمر الدنيا فأنا أكفيك أمره، فقعد بين يدي أبي جعفر عليه السلام، فشهق "مخارق" شهقة اجتمع عليه أهل الدار وجعل يضرب بعوده ويغنّي فلمّا فعل ساعة وإذا أبو جعفر لا يلتفت إليه لا يميناً ولا شمالاً، ثمّ رفع إليه رأسه وقال: "اتقِ الله يا ذا العُثنون45!" قال: فسقط المضراب من يده والعود فلم ينتفع بيديه إلى أن مات قال: فسأله المأمون عن حاله قال: لمّا صاح بي أبو جعفر فزعت فزعة لا أفيق منها أبداً46. وعن محمّد بن عليّ الهاشميّ قال: دخلت على أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام، صبيحة عرسه ببنت المأمون، وكنت تناولت من الليل دواءً فأوّل من دخل عليه في صبيحته أن، وقد أصابني العطش وكرهت أن أدعو بالماء، فنظر أبو جعفر عليه السلام، في وجهي وقال: "أراك عطشان؟!"، قلت: أجل، قال: "يا غلام اسقنا ماءً"، فقلت في نفسي: الساعة يأتونه بماء مسموم47، واغتممت لذلك فأقبل الغلام ومعه الماء، فتبسَّم في وجهي ثمّ قال: "يا غلام، ناولني الماء"، فتناول، فشرب، ثمّ ناولني وتبسَّم فشربت، وأطلت عنده فعطشت، فدعا بالماء ففعل كما فعل في المرّة الأولى، وشرب، ثمّ ناولني وتبسَّم، قال محمّد بن حمزة: فقال لي محمّد بن عليّ الهاشميّ: والله إنّي لأظنّ أنّ أبا جعفر يعلم ما في النفوس كما تقول الرافضة!!48. شوقه لمدينة جدّه صلى الله عليه وآله وسلم: ومكث الإمام ببغداد مدّة من الزمان كان ينتظر فيها اليوم الذي يعود فيه إلى حرم جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعن الحسين المكاريّ قال: دخلت على أبي جعفر ببغداد وهو على ما كان من أمره، فقلت في نفسي: هذا الرجل لا يرجع إلى موطنه أبداً، وأنا أعرف مطعمه، قال: فأطرق رأسه ثمّ رفعه وقد اصفرّ لونه فقال: "يا حسين، خبز شعير، وملح جريش في حرم جدّي رسول الله أحبُّ إليّ ممّا تراني فيه"49. العودة إلى المدينة: ولمّا ضاق صدره استأذن المأمون في الذهاب إلى الحجّ، فأذن له. يُروى أنّه لمّا توجّه عليه السلام من بغداد منصرفاً من عند المأمون ومعه (زوجته) أمُّ الفضل (بنت المأمون) قاصداً بها المدينة، صار إلى شارع باب الكوفة ومعه الناس يشيّعونه، فانتهى إلى دار المسيّب، عند مغيب الشمس، نزل ودخل المسجد، وكان في صحنه نَبِقَة لم تحمل بعد، فدعا بكوز فيه ماء فتوضّأ في أصل النبقة فصلّى بالناس صلاة المغرب، فقرأ في الأولى منها الحمد وإذا جاء نصر الله، وقرأ في الثانية الحمد وقل هو الله أحد، وقنت قبل ركوعه فيها، وصلّى الثالثة وتشهّد وسلّم، ثمّ جلس هنيهة يذكر الله تعالى، وقام من غير تعقيب فصلّى النوافل أربع ركعات، وعقّب بعدها وسجد سجدتي الشكر، ثمّ خرج. فلمّا انتهى إلى النبقة رآها الناس وقد حملت حملاً حسناً فتعجّبوا من ذلك وأكلوا منها فوجدوه نبقاً حلواً لا عُجم له50. وقد حُكي عن الشيخ المفيد قوله: ولقد أكلت من ثمرها وكان لا عجم له51، (أي لا نواة له). وتوجّه إلى حجّ بيت الله الحرام، ومن هناك عاد إلى مدينة جدّه وبقي هناك إلى أن مات المأمون، وتولّى الخلافة من بعده أخوه المعتصم وكان ذلك في السابع والعشرين من شهر رجب سنة 218 للهجرة. مع المعتصم: هو محمّد بن هارون الرشيد أبو إسحاق، الملقّب بالمعتصم بالله، ثامن الخلفاء العبّاسيّين، أُمّه أُمُّ ولد، من مولّدات الكوفة اسمها "ماردة"، وكانت أحظى الناس عند الرشيد. قيل فيه: إنّه كان ذا شجاعة وقوّة وهمّة، وكان عَرِيّاً من العلم، وإذا غضب لا يبالي مَن قتل. قال ابن أبي دؤاد: كان المعتصم يُخرج ساعده إليَّ ويقول: يا أبا عبد الله عَضَّ ساعدي بأكثر قوَّتك، فأمتنع، فيقول: إنّه لا يضرّني، فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنّة فضلاً عن الأسنان. وقال نفطويه: كان من أشدّ الناس بطش، وزَعَم أنّه كان يجعل زَنْدَ الرجل بين إصبعيه فيكسره. وهو أوّل خليفة أدخل الأتراك الديوان. وكان يتشبّه بملوك الأعاجم، ويمشي مشيهم52. ولمّا استوى المعتصم على الملك وسمع فضائل ومناقب الإمام الجواد عليه السلام وبلغه غزارة علمه اضطرمت نار الحسد في قلبه وصمّم على القضاء على الإمام، فاستدعاه إلى بغداد، فلمّا توجّه الإمام إلى بغداد جعل وصيّه وخليفته ابنه عليّ النقيّ عليه السلام ونصّ على إمامته عند كبار الشيعة وثقات الأصحاب وسلّم إليه كتب العلوم الإلهيّة والأسلحة التي كانت للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الأنبياء عليهم السلام. ثمّ ودّع الإمام أهله وولده وترك حرم جدّه صلى الله عليه وآله وسلم وذهب إلى بغداد بقلب حزين ودخلها يوم الثامن والعشرين من شهر محرّم سنة 220 للهجرة.. 53. ويظهر من بعض الروايات أنّ المعتصم كان قد أشخصه إلى بغداد غير مرّة، حتّى كانت المرة الثانية في أوّل سنة عشرين ومائتين وهي السنة التي توفّي فيها54.
فعن إسماعيل بن مهران قال: لمّا خرج أبو جعفر عليه السلام من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جُعلت فداك، إنّي أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى مَن الأمر بعدك؟ فكرّ بوجهه إليّ ضاحكاً وقال: "ليس الغيبة حيث ظننت في هذه السنة"، فلمّا أخرج به الثانية إلى المعتصم صرت إليه فقلت له: جُعلت فداك، أنت خارج فإلى مَن هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتّى اخضلّت لحيته، ثمّ التفت إليّ فقال: "عند هذه يُخاف علَيَّ، الأمر من بعدي إلى ابني عليّ"55.
ولمّا خرج من المدينة في المرّة الأخيرة قال: "ما أطيبك يا طيبة، فلست بعائد إليك"56. ولمّا جيء به إلى بغداد، جعل المعتصم يدسّ الدسائس إليه ويزوّر الحقائق عليه بغية إيجاد ما يسوِّغ تصفيته أو التضييق عليه، ولكنّ محاولاته كانت تبوء بالفشل أمام مواجهة الإمام عليه السلام لها بأسلوبه الخاصّ، والإعجازيّ أحياناً. فقد رُوي عن ابن أرومة أنّه قال: إنّ المعتصم دعا بجماعة من وزرائه، فقال: اشهدوا لي على محمّد بن عليّ بن موسى عليهم السلام زوراً، واكتبوا أنّه أراد أن يخرج. ثمّ دعاه، فقال: إنّك أردت أن تخرج عليّ؟ فقال: "والله ما فعلت شيئاً من ذلك". قال: إنّ فلاناً وفلاناً وفلاناً شهدوا عليك. وأُحضروا، فقالوا: نعم هذه الكتب أخذناها من بعض غلمانك. قال: وكان جالساً في بهوٍ57فرفع أبو جعفر عليه السلام يده فقال: "اللَّهمَّ إن كانوا كذبوا عليّ فخذهم". قال: فنظرنا إلى ذلك البهو كيف يزحف ويذهب ويجيء، وكلّما قام واحد وقع. فقال المعتصم: يا بن رسول الله إنّي تائب ممّا فعلت فادع ربّك أن يسكِّنه، فقال: "اللَّهمَّ سكّنه، وإنّك تعلم أنّهم أعداؤك وأعدائي". فسكن58. وعن زرقان صاحب ابن أبي دؤاد وصديقه بشدّة قال: رجع ابن أبي دؤاد ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتمّ، فقلت له في ذلك، فقال: وددت اليوم أنّي قد متُّ منذ عشرين سنة، قال: قلت له: ولم ذاك؟ قال: لِما كان من هذا الأسود أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسى اليوم بين يدي أمير المؤمنين المعتصم، قال: قلت له: وكيف كان ذلك؟ قال: إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه وقد أُحضر محمّد بن عليّ عليه السلام، فسألنا عن القطع في أيّ موضع يجب أن يُقطع؟ قال: فقلت: من الكُرْسُوع59، قال: وما الحجّة في ذلك؟ قال: قلت: لأنّ اليد هي الأصابع والكَفّ إلى الكُرْسُوع، لقول الله في التيمّم: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾ واتفق معي على ذلك قوم. وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق، قال: وما الدليل على ذلك؟ قالوا: لأنّ الله لمّا قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ في الغسل دلّ ذلك على أنّ حدّ اليد هو المرفق، قال: فالتفت إلى محمّد بن عليّ عليه السلام فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال: "قد تكلّم القوم فيه يا أمير المؤمنين"، قال: دعني ممّا تكلّموا به، أيّ شيء عندك؟ قال: "اعفني عن هذا يا أمير المؤمنين"، قال: أقسمت عليك بالله لمّا أخبرت بما عندك فيه، فقال: "أمّا إذا أقسمت عليّ بالله إنّي أقول: إنّهم أخطأوا فيه السُّنَّة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع فيترك الكفّ"، قال: وما الحجّة في ذلك؟ قال: "قول رسول الله عليه وآله السلام: "السجود على سبعة أعضاء الوجه واليدين والركبتين والرجلين"، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وما كان لله لم يُقطع". قال: فأعجب المعتصم ذلك وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكفّ. قال ابن أبي دؤاد: قامت قيامتي وتمنّيت أنّي لم أك حيّاً. قال زرقان: إنّ ابن أبي دؤاد قال: صرت إلى المعتصم بعد ثالثة، فقلت: إنّ نصيحة أمير المؤمنين عليّ واجبة، وأنا أكلّمه بما أعلم أنّي أدخل به النّار، قال: وما هو؟ قلت: إذا جمع أمير المؤمنين من مجلسه فقهاء رعيّته وعلماءهم لأمر واقع من أمور الدّين، فسألهم عن الحكم فيه فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك، وقد حضر المجلس أهل بيته وقوَّاده ووزراؤه وكتاَّبه، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه، ثمّ يترك أقاويلهم كلّهم لقول رجل يقول شطر هذه الأُمّة بإمامته، ويدّعون أنّه أولى منه بمقامه، ثمّ يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء؟ قال: فتغيّر لونه وانتبه لما نبّهته له وقال: جزاك الله عن نصيحتك خيراً.
*جواد الأئمة، سلسلة مجالس العترة، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
1 - الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 497.
2 - الصدوق: عيون أخبار الرضا عليه السلام ج2 ص 274. 3 - أي مدينة سامراء. 4 - المفيد الإرشاد ج 2 ص 289- 291. الأربليّ: كشف الغمّة في معرفة الأئمّة ج 3 ص 151- 152. 5 - أي معامل. 6 - الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 495. 7 - في هامش الكافي: أي من غير انحراف عن الجدار. 8 - الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 497. 9 - الطبريّ: دلائل الإمامة ص 388- 389. 10 - ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 382- 383. 11 - المصدر السابق، ص 383. 12 - الطبريّ: دلائل الإمامة ص 389- 390، المسعوديّ: إثبات الوصيّة ص 220- 221. 13 - أي مستوية أو صلبة. 14 - المفيد: الاختصاص ص 102. 15 - الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 496. 16 - هذا الاحتمال وغيره ممّا أورده المجلسيّ رحمه الله في بحار الأنوار ج 50 ص 93. 17 - مرتضى العامليّ جعفر: الحياة السياسيّة للإمام الجواد عليه السلام ص 30. 18 - أنظر: الحسنيّ هاشم معروف: سيرة الأئمّة الإثني عشر ج 2 ص 437. 19 - أنظر: العطارديّ الشيخ عزيز الله: مسند الإمام الجواد عليه السلام ص 249. 20 - أنظر: الحسنيّ هاشم معروف: سيرة الأئمّة الإثني عشر ج 2 ص 437. 21 - الطوسيّ: الفهرست ص 151، الرقم 377. 22 - المفيد: الإرشاد ج 2 ص 214. 23 - المصدر السابق، ص 216. 24 - الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 322. 25 - الطوسيّ: اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشّي، ج 2 ص 729، الرقم 804. 26 - النجاشيّ: رجال النجاشيّ ص 197، وانظر: الطوسيّ: الفهرست ص 145، الرقم 356. 27 - الطوسيّ: اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشّي ج 2 ص 792. 28 - النجاشيّ: رجال النجاشيّ ص 253 الرقم 664. 29 - الطوسيّ: اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشّي ج 2 ص 825 الرقم 1038. 30 - نوع من الثياب. 31 - النجاشيّ: رجال النجاشيّ ص 252 الرقم 663. 32 - الطوسيّ: اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشّي ج 2 ص 826- 827 الرقم 1040. 33 - الصدوق: كمال الدّين وتمام النعمة ص 377. 34 - المصدر السابق، ص 377- 378. 35 - الصدوق: كمال الدّين وتمام النعمة ص 378. 36 - وذلك هو الذي يجعلنا نصدّق القصّة التي تقال عن السبب في حملها به وخلاصتها أنّ زبيدة لاعبت الرشيد بالشطرنج على الحكم والرضا، فغلبته، فحكمت عليه أن يطأ أقبح وأقذر وأشوه جارية في المطبخ، فبذل لها خراج مصر والعراق لتعفيه من ذلك، فلم تقبل، ولم تجد جارية تجمع الصفات المذكورة غير "مراجل"، فطلبت إليه أن يطأها، فجاء المأمون. 37 - مرتضى السيّد جعفر: الحياة السياسيّة للإمام الرضا عليه السلام ص 148- 151. 38 - المظفّر الشيخ محمّد حسين: تاريخ الشيعة ص 63- 64. 39 - الدست: مكان في صدر البيت أو المجلس. 40 - المسورة: متكأ من أدم أي جلد. 41 - أي الحرير ويصنع منه الديباج والخزّ ونحوهما من الثياب. 42 - الغالية: نوع من الطيب مركّب من مسك وعنبر وعود ودهن. 43 - البدر: جمع بدرة، والبدرة: كيس فيه مقدار من المال يتعامل به ويقدّم في العطايا، ويختلف باختلاف العهود، والغالب أنّه عشرة آلاف درهم. 44 - المفيد: الإرشاد ج 2 ص 281- 288. 45 - أي اللحية الطويلة. 46 - الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 494. 47 - وهذا يدلّ على أنّ حياة الإمام عليه السلام كانت في خطر وأنّ قضيّة اغتياله كانت واردة ومتوقّعة، بل في بعض الروايات أنّه كان قد تعرّض للاغتيال فعلاً عبر دسّ السمّ له ولكن الله تعالى أنجاه، فقد روى ابن حمزة الطوسيّ عن محمّد بن القاسم، عن أبيه، وعن غير واحد من أصحابن، أنّه قد سمع عمر بن الفرج أنّه قال: سمعت من أبي جعفر عليه السلام شيئاً لو رآه محمّد أخي لكفر. فقلت: وما هو أصلحك الله؟ قال: إنّي كنت معه يوماً بالمدينة إذ قرب الطعام فقال: "أمسكوا" فقلت: فداك أبي، قد جاءكم الغيب فقال: "عليَّ بالخبّاز" فجيء به، فعاتبه وقال: "مَن أمرك أن تسمّني في هذا الطعام؟" فقال له: جعلت فداك فلان، ثمّ أمر بالطعام فرفع وأتي بغيره. (الطوسيّ ابن حمزة: الثاقب في المناقب ص 517). 48 - الأربليّ: كشف الغمّة في معرفة الأئمّة ج 3 ص 153. 49 - القطب الراونديّ: الخرائجوالجرائح ج 1 ص 383. 50 - المفيد: الإرشاد ج 2 ص 288- 289. 51 - ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 390. 52 - أنظر: السيوطيّ: تاريخ الخلفاء ص 333- 335. 53 - القمّي الشيخ عبّاس: منتهى الآمال ج 2 ص 563، وانظر: المفيد: الإرشاد ج 2 ص 295. 54 - الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 429. 55 - الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 323. 56 - الطوسيّ ابن حمزة: الثاقب في المناقب ص 516. 57 -البهو: البيت الذي كانوا يقيمونه أمام البيوت أو الخيام منزلاً للغرباء والضيوف. 58 - القطب الراونديّ: الخرائجوالجرائح ج 2 ص 670- 671. 59 - الكرسوع: طرف الزند الذي يلي الخنصر الناتئ عند الرسغ. | |
الإمام الجواد عليه السلام والإمامة المبكّرة
بواسطة:أدمن
10:22 ص
تمهيد
تعتبر الإمامة في الفكر الشيعيّ الإماميّ منصباً من المناصب الإلهيّة التي يمنحها الله تعالى لأشخاص معيّنين ومحدّدين وضمن مواصفات خاصّة. وعلى أساس هذه النظرة قامت فكرة النصّ على الإمام عند الشيعة, والتي تعني أنّ تحديد هذا المنصب يتمّ عن طريق الوحي الإلهيّ النازل على قلب النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله حصراً, وبدون أيّ تدخّل بشريّ, فله تعالى أن يختار من عباده من يشاء ويصطفي من بينهم من يحبّ, فهو سبحانه أعلم بمصالح عباده وأخبر بأحوالهم وما يحتاجون إليه, ﴿اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾1, وليس للعبد إلّا أن يذعن ويعترف ويطيع ويسلّم.. وقد كان هذا الأمر معقوداً في نواصي الشيعة بدءاً من زمان أمير المؤمنين عليه السلام ، حتّى آخر الأئمّة عليهم السلام, يعرفون بالقول به ويمتازون به من غيرهم, وقد ملئت به رواياتهم وأحاديثهم وكتبهم, وعلى هذا جرت سيرتهم وكان ديدنهم. فعن عمرو بن الأشعث قال: سمعت أبا عبد الله، عليه السلام يقول: "أترون الموصي منّا يوصي إلى من يريد؟! لا والله, ولكن عهد من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لرجل فرجل حتّى ينتهي الأمر إلى صاحبه"2. وعن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله، عليه السلام ، قال: "إنّ الإمامة عهد من الله عزّ وجلّ معهود لرجال مسمّين، ليس للإمام أن يزويها عن الذي يكون من بعده.."3. وحيث كانت الإمامة منصباً وعهداً إلهيّاً منصوصاً عليه من الله تعالى, فلربّما تفرّدت بأمر لم يعهده البشر فيما بينهم, كما أوضح القرآن الكريم ذلك في حقّ النبوّة التي هي منصب وعهد إلهيّ, فقد نصّ تعالى في كتابه الكريم أنّه أعطاها لشرائح مختلفة من حيث العمر والسنّ, فقال تعالى في حقّ عيسى عليه السلام: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾4, وقال في حقّ يحيى، عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾5, وقال في حقّ يوسف، عليه السلام: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾6، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾7, وقد تكرّرت هذه الصورة القرآنيّة أيضاً مع أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، فكانت ظاهرة الإمامة المبكّرة التي تولّى فيها بعض الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام ، منصب الإمامة وتصدّوا لها وهم في سنّ مبكّرة, لم تتجاوز العشرالسنين, وهو عمر صغير بالنسبة إلى ما ألفته الأمّة من أعمار حكامها بل والغالب من حياة الأنبياء والأئمّة عليهم السلام, ممّا استدعى أن يقع هذا الأمر موضعاً للتساؤل والاستفهام والحاجة إلى الإجابة الموضوعيّة. وعمدة الشبهة والتساؤل المطروح هو: كيف يكون الإمام والحجّة لله على خلقه صبيّاً صغيراً؟! الإمامة المبكرة في روايات الأئمّة عليهم السلام: وقد تصدّت الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام للإجابة عن هذا الأمر ضمن المفهوم القرآنيّ الذي تقدّمت الإشارة إليه: فعن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا عليه السلام: قد كنّا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر عليه السلام ، فكنت تقول: "يهب الله لي غلاماً"، فقد وهبه الله لك، فأقرّ عيوننا، فلا أرانا الله يومك فإن كان كون فإلى من؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر عليه السلام ، وهو قائم بين يديه، فقلت: جُعلت فداك، هذا ابن ثلاث سنين؟! فقال: "وما يضرّه من ذلك؟ فقد قام عيسى عليه السلام ، بالحجّة وهو ابن ثلاث سنين"8. وعن الخيرانيّ، عن أبيه قال: كنت واقفاً بين يدي أبي الحسن عليه السلام ، بخراسان فقال له قائل: يا سيّدي، إن كان كون فإلى من؟ قال: "إلى أبي جعفر ابني"، فكأنّ القائل استصغر سنّ أبي جعفر عليه السلام ، فقال أبو الحسن عليه السلام: "إنّ الله تبارك وتعالى، بعث عيسى ابن مريم رسولاً نبيّاً، صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السنّ الذي فيه أبو جعفر عليه السلام "9.
وعن عليّ بن أسباط قال: خرج عليه السلام عليّ فنظرت إلى رأسه ورجليه لأصف قامته لأصحابنا بمصر, فبينا أنا كذلك حتّى قعد وقال: "يا عليّ إنّ الله احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ في النبوّة، فقال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾10قال: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾11,﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾12, فقد يجوز أن يؤتى الحكم (الحكمة) صبيّاً ويجوز أن يعطاها وهو ابن أربعين سنة"13.
وعن عليّ بن أسباط قال: خرج عليّ أبو جعفر عليه السلام ، حدثان14موت أبيه, فنظرت إلى قدّه لأصف قامته لأصحابي، فقعد ثمّ قال: "يا عليّ، إنّ الله احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ به في النبوّة فقال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾"15. وعن بعضهم، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: قلت له: إنّهم يقولون في حداثة سنّك، فقال: "إنّ الله تعالى أوحى إلى داود أن يستخلف سليمان وهو صبيّ يرعى الغنم، فأنكر ذلك عبّاد بني إسرائيل وعلماؤهم، فأوحى الله إلى داود عليه السلام ، أن خذ عصا المتكلّمين وعصا سليمان واجعلها في بيت واختم عليها بخواتيم القوم فإذا كان من الغد، فمن كانت عصاه قد أورقت وأثمرت فهو الخليفة، فأخبرهم داود، فقالوا: قد رضينا وسلّمنا"16.
وعن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه قال: قال عليّ بن حسّان لأبي جعفر عليه السلام: يا سيّدي، إنّ الناس ينكرون عليك حداثة سنّك، فقال: "وما ينكرون من ذلك قول الله عزّ وجلّ؟ لقد قال الله عزّ وجلّ لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾17, فوالله ما تبعه إلّا عليّ عليه السلام وله تسع سنين، وأنا بن تسع سنين"18.
وقد أجاب علماؤنا الأبرار بمثل ما ورد في هذه الروايات من أدلّة وحجج, فعن الشيخ المفيد رحمه الله أنّه قال: على أن ما اشتبه عليهم من جهة سنّ أبي جعفر عليه السلام ، فإنه بيِّن الفساد، وذلك أنّ كمال العقل لا يستنكر لحجج الله تعالى مع صغر السنّ قال الله سبحانه: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ فخبَّر عن المسيح عليه السلام ، بالكلام في المهد، وقال في قصّة يحيى عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. وقد أجمع جمهور الشيعة مع سائر من خالفهم على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليّاً عليه السلام وهو صغير السنّ ولم يدع الصبيان غيره، وبَاهَل بالحسن والحسين عليه السلام ، وهما طفلان، ولم يُرَ مُبَاْهِلٌ قبله ولا بعده بَاهَل بالأطفال، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه من تخصيص الله تعالى حججه على ما شرحناه، بطل ما تعلّق به هؤلاء القوم"19.
افتراضات لتفسير هذه الظاهرة:
يرى الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره, أنّ الله سبحانه وتعالى قدّر أن يكون نفس وجود هذا الإمام على خطّ حياة أهل البيت عليهم السلام دليلاً وبرهاناً على صحّة العقيدة التي نؤمن بها نحن بالنسبة إلى أهل البيت عليهم الصلاة والسلام؛ لأنّ الظاهرة التي وجدت مع هذا الإمام هي ظاهرة تولّي الشخص للإمامة وهو بعد في سنّ الطفولة, ومعنى هذا أنّه تولّى زعامة الطائفة الشيعيّة روحيّاً ودينيّاً وعلميّاً وفكريّاً وهو لا يزيد عن عشر سنوات. وهذه الظاهرة التي ظهرت لأوّل مرّة في حياة الأئمّة في الإمام الجواد، عليه الصلاة والسلام, لو درسناها، بحساب الاحتمالات، لوجدنا أنّها وحدها كافية للاقتناع بحقّانية هذا الخطّ الذي كان يمثّله الإمام الجواد، عليه الصلاة والسلام, إذ كيف يمكن أن نفترض فرضاً آخرَ غير فرض الإمامة الواقعيّة في شخصٍ لا يزيد عمره على عشر سنين20, ويتولّى زعامة هذه الطائفة في كلّ المجالات الروحيّة والفكريّة والفقهيّة والدينيّة؟ والافتراضات القائمة لتفسير هذه الظاهرة هي على الشكل الآتي: 1- الافتراض الأوّل: أنّ الإمام الجواد عليه السلام ، لم يكن مكشوفاً أمام المسلمين وأمام طائفته بالخصوص. وهذا الافتراض لا مجال له, وهو خلاف طبيعة العلاقة التي أُنشئت منذ البداية بين أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، وقواعدهم الشعبيّة في المسلمين, وذلك: لأنّ زعامة الإمام في أهل البيت عليهم السلام ، لم تكن زعامة محوطة بالشرطة والجيش وأُبّهة الملك والسلطان الذي يحجب بين الزعيم ورعيّته, ولم تكن زعامة دعوة سرِّيَّة من قبيل الدعوات الصوفيّة أو الفاطميّة التي تحجب بين رأس الدعوة وبين قواعد هذه الدعوة، لكي يُفترض أنّ هذا الرأس كان محجوباً عن رعيّته مع إيمان الرعيّة به. بل إمام أهل البيت عليهم السلام ، كان مكشوفاً أمام الطائفة, وكانت الطائفة بكلّ طبقاتها تتفاعل معه مباشرة في مسائلها الدينيّة, وفي قضاياها الروحيّة والأخلاقيّة, والإمام الجواد، عليه الصلاة والسلام، نفسه أصرّ على المأمون حينما استقدمه إلى بغداد في أن يسمح له بالرجوع إلى المدينة, وسمح له بذلك. إذاً فقد قضى الإمام الجواد، عليه الصلاة والسلام، أكثر عمره، أو كلّ عمره، وهو مكشوف أمام المسلمين, أمام مختلف طبقاتهم, بما فيهم الشيعة المؤمنون بزعامته وإمامته. أضف إلى ذلك أنّ الإمام الجواد عليه السلام ، قد سُلِّطت عليه أضواء خاصّة من قِبَل الخليفة المأمون..وقد زوّجه ابنته أُمُّ الفضل, واستقدمه إلى مجلسه ممتحناً له كما في القصّة المعروفة مع قاضيه يحيى بن أكثم, إلى غير ذلك ممّا يدلّ على كونه مكشوفاً أمام الجميع.
2- الافتراض الثاني: أنّ المستوى العلميّ والفكريّ والعقليّ والروحيّ للطائفة وقتئذٍ، كان يَعْبُر عليه هذا الموضوع بحيث تصدّق الطائفة بإمامة طفل وهو ليس بإمام.
وهذا الافتراض ممّا يكذِّبه الواقع التاريخيّ لهذه الطائفة، وما وصلت إليه من مستوى علميّ وفقهيّ, فإنّ هذه الطائفة قد خلّفها الإمام الباقر والإمام الصادق عليه السلام, وفيها أكبر وأضخم مدرسة للفكر الإسلاميّ في العالم الإسلاميّ على الإطلاق, وكانت موزّعة في حواضر العالم الإسلاميّ, فكان بعض قطّاعاتها في الكوفة, وبعض قطّاعاتها في قُمّ, وبعض قطّاعاتها في المدينة, وتتكوَّن من الجيلين المتعاقبين: جيل تلامذة الإمام الباقر والإمام الصادق عليه السلام ، وجيل تلامذة الإمام الكاظم والإمام الرضا عليه السلام, هذان الجيلان كانا على رأس هذه الطائفة في ميادين الفقه والتفسير والكلام والحديث والأخلاق, وكل جوانب المعرفة الإسلاميّة, وكانت على صلة مباشرة بالإمام الجواد عليه السلام, تستفتيه وتسأله, وتنقل إليه الأموال من مختلف الأطراف من شيعته.. إنّ مثل هذا المستوى الفكريّ والعلميّ لهذه الطائفة التي كانت قبلة الفكر الإسلاميّ في كلّ ميادين المعرفة, لا يمكن أن يعبُر عليه مثل هذا التصوُّر, وتتصوّر أنّ شخصاً طفلاً هو إمام وهو ليس بإمام, فإن أمكن لشخصٍ أن يتصوّر أنّ رجلاً عالماً كبيراً محيطاً مطّلعاً بلغ الخمسين أو الستّين يستطيع أن يقنع مجموعةً من الناس بإمامته وهو ليس بإمام, لأنه يتّصف بدرجة كبيرة من العلم والمعرفة والذكاء والاطلاع, فليس بالإمكان أن نفترض ذلك في شخصٍ لم يبلغ العاشرة من عمره, وهو مكشوف أمامهم. 3- الافتراض الثالث: أنّ الطائفة لم يكن واضحاً عندها مفهوم الإمام والإمامة, فلم تكن تعرف ما هو الإمام، وما هي قيمة الإمام، وما هي شروط الإمام، وكانت تتصوّر أنّ الإمامة مجرّد تسلسل نسبيّ ووراثيّ. وهذا الافتراض يكذّبه أيضاً واقع التراث المتواتر والمستفيض من عهد أمير المؤمنين إلى عهد الإمام الرضا عليه السلام ، عن ماهيّة الإمام وشروطه وعلاماته. فالتشيّع قام بصورة أساسيّة على المفهوم الإلهيّ المعمّق للإمامة, وكون الإمام إنساناً فذّاً فريداً في معارفه وأخلاقه وقوله وعمله, وهو أوضح وأبده وأوّل مفهوم من مفاهيم التشيّع, الذي بشّرت به النصوص الكثيرة الواردة عنهم عليهم السلام, بحيث أصبحت بالتدريج كلّ الخصوصيّات وكلّ التفاصيل واضحةً في ارتكاز الطائفة وذهنيّتها حتّى بعض التفاصيل الثانويّة, ونجد شواهد في الروايات على ذلك, من قبيل نفي إمامة العديد من إخوة الأئمّة ممّن ادّعي له الإمامة, بما كان واضحاً ومحدّداً عند الكثير من أبناء الطائفة, من أنّ الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين عليه السلام 21. 4- الافتراض الرابع: أن يكون هذا الأمر تبانياً على الزور والباطل من قبل هذه الطائفة. وهذا الافتراض أيضاً لا يكذّبه إيماننا الشخصيّ فقط بورع هذه الطائفة وقدسيّتها, بل يكذّبه، إضافةً إلى ذلك، الظروف الموضوعيّة التي عاشتها هذه الطائفة, فلم يكن التشيّع، في يومٍ من الأيّام، في حياة هذه الطائفة، طريقاً إلى الأمجاد, أو المال, أو الجاه, أو السلطان, أو المقامات العالية..حتّى يكون هذا التباني من قبلهم في سبيل مطمعٍ, بل كان طيلة التاريخ طريقاً إلى التعذيب والسجون والحرمان والويل والدمار, وأن يعيش الإنسان حياة الخوف والتقيّة في كلّ حركاته وسكناته. لماذا يتبانى عقلاء هذه الطائفة ووجهاؤها وعلماؤها على إمامةٍ باطلةٍ- حسب الفرض- مع أنّ تبانيهم على هذه الإمامة الباطلة يكلّفهم كثيراً من ألوان العذاب والحرمان؟ ولو أنّ هؤلاء الوجهاء والعلماء والأعلام تركوا هذه الطريقة واتّبعوا الطريق الرسميّ المتّبع من قبل سائر المسلمين، لكانوا في طليعة سائر المسلمين! فهذا ممّا يشهد على أنّ هذا الاعتقاد لا يمكن أن يكون ناشئاً إلّا عن اعتقادٍ حقٍّ بهذه الإمامة. 5- الافتراض الأخير: وهو الفرض الباقي الوحيد المطابق للواقع, وهو أن يكون الإمام الجواد إماماً حقّاً, بعد أن كانت كلّ الافتراضات السابقة الأخرى غير مقبولة عند أيّ إنسانٍ يطّلع على تاريخ الطائفة, وتاريخ الإسلام وقتئذٍ, وعلى الظروف الموضوعيّة التي تكتنف إمامة الإمام الجواد عليه السلام 22.
1 - سورة الأنعام الآية 124.
2 - الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 278. 3 - المصدر السابق. 4 - سورة مريم الآية 30. 5 - المصدر السابق 12. 6 - سورة يوسف الآية 22. 7 - سورة الأحقاف الآية 15. 8 - الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 321. 9 - المصدر السابق، 322. 10 - سورة مريم الآية 12. 11 - سورة يوسف الآية 22. 12 - سورة الأحقاف الآية 15. 13 - الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 494. 14 - الحدثان نوائب الدهر, وربما يسمّى به الموت أيضاً. 15 - المفيد: الإرشاد ج 2 ص 292. 16 - الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 383. 17 - سورة يوسف الآية 108. 18 - الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 384. 19 - الشريف المرتضى: الفصول المختارة ص 316. 20 - في كلمات السيّد الشهيد ورد التعبير بسبع سنين ونظراً للاختلاف الحاصل في عمره بدّلنا ذلك إلى عشر سنوات, والأمر سهل. 21 - أنظر: المجلسيّ: بحار الأنوار ج 25 ص 249. 22 - أخذنا هذا البحث من محاضرة للإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر قدّس سرّه, أنظر: أئمّة أهل البيت عليهم السلام ودورهم في تحصين الرسالة الإسلاميّة, ص 401- 406. | |
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)










@@ 2015 @@