اهلا وسهلآ بكم لبيك يا حسيــــــــــــن

الأحد، 28 فبراير 2016

عوامل الانتصار والهزيمة في الجهاد


قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ1.

يشير الله عزَّ وجلّ في هذه الآية والآيتين التاليتين إلى عوامل النصر الحقيقية في القتال، وهي عبارة عن الاستقامة، والثبات عند لقاء العدو، والاتصال بالله بالذكر، والطاعة لله والرسول، وتجنّب النّزاع والشّقاق، والصّبر على تكاليف المعركة، والحذر من البطر، والرياء، والبغي2.

الإشارات والمضامين:
1- ضرورة ثبات المؤمنين عند لقاء العدو:كلمة (لقاء) المستفادة من (لقيتم)، يكثر استعمالها في القتال. والفئة بمعنى الجماعة "جماعة المقاتلين"، والمراد منها هنا الكفّار الحربيين أو الباغين3.

و(الثبات) في هذا المورد عكس الفرار من العدو، والثبات بحسب ما له من المعنى أشمل من الصَّبر الذي يأمر به في قوله: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ4.

فعبارة (اثبتوا)، أمر بمطلق الثّبوت أمام العدو، وعدم الفرار منه5. ووجوب الاستقامة في هذه الآية لا يتنافى مع الآية 16 من سورة الأنفال- آية التحرّف والتحيّز أو آية تكتيكات المواجهة - ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، فهذه الآية فيها عدة أمور:

أ- النهي في الآية تعلق بأن لا يولّي المؤمنون الأدبار للأعداء، أي استدبار العدو واستقبال جهة الهزيمة، فخطاب الآية عام غير مختص بوقت دون وقت أو غزوة دون غزوة، فالحرمة متعلقة بالقرار من الزحف.
ب- يُستثنى أمران من الآية:
أولاً: التحرّف لقتال.
ثانياً: التحيّز إلى فئة.


2- الثبات في مقابل العدو من لوازم الإيمان الواقعي بالله:المخاطب في هذه الآية هم المؤمنون، وفيه دلالة على أنّ الثبات في مقابل العدوّ من شروط الإيمان6، بمعنى أنّ ثبات القدم في جميع الميادين الخاصّة بالقتال مع أعداء الحقّ، من العلامات البارزة للإيمان7.

3- وجوب الذكر الدائم لله حين لقاء العدو وقتاله:﴿اذْكُرُواْ اللّهَ معطوفة على ﴿فَاثْبُتُو، وهي في الواقع جواب الشرط ﴿إِذَا لَقِيتُمْ، وعلى هذا التقدير: المقصود بالذكر في هذه الآية الذكر الكثير لله عند قتال العدو8.

4- فلسفة ضرورة المداومة على ذكر الله في ميدان القتال:السبب الذي دعا إلى تقييد الذكر "بالكثير"، هو تجدّد روح التقوى عند المجاهدين كلّما لاح لهم ما يصرف نفوسهم إلى حبّ الحياة الفانية، والتمتّع بزخارفها، والخواطر النفسانية التي يلقيها الشيطان بتسويله. فالمداومة على ذكر الله تجدّد روح التقوى كلّ لحظة في قلوبهم، وتعمل على التقليل من شأن الأهوال والمخاطر التي يتعرض لها المقاتل في ميدان المعركة، لأن ظرف القتال والميدان ليس فيه إلا إزهاق النفوس، وسفك الدماء، ونقص الأطراف، وكل ذلك يهدد الإنسان بالفناء عما يحبه، فذكر الله يعينه على جهاده، والتثبت بفكرته بالظفر على عدوه الذي يهدده بالفناء9. ويشعره بأن الله سنداً قوياً لا تستطيع أي قدرة في الوجود أن تنقلب عليه في ساحة المعركة، وأنه إذا قتل فإنه سينال السعادة الكبرى ويبلغ الشهادة العظمى، وجوار رحمة الله، فذكر الله يبعث على الاطمئنان، والقوة، والقدرة على الثبات في نفس المقاتل10، ويزيل من نفسه حب الزوجة والمال، والأولاد، وكل ما يضعفه ويزلزله كما ورد في دعاء أهل الثغور عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "وأنسهم عند لقائهم العدو ذكر دنياهم الخداعة، وامح من قلوبهم خطرات المال الفتون، واجعل الجنة نصب أعينهم"11.

قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ12.

توضيح المعاني:
﴿وَلاَ تَنَازَعُو: لا تختلفوا فيما بينكم.
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ: تذهب قوتكم وهيبتكم.

الإشارات والمضامين:
1- ضرورة إطاعة المجاهدين لأوامر الله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم:ظاهر السياق أنّ المراد من جملة ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ... إطاعة ما صدر من ناحيته تعالى وناحية رسوله من التكاليف والأنظمة المتعلّقة بالجهاد والدفاع عن حومة الدين ووجود الإسلام، والمسائل التي لها تعلق بالمعركة كالابتداء بإتمام الحجّة قبل القتال، وعدم التعرّض للنساء والذراري (الأطفال)، وغير ذلك من أحكام التي تتعلق بموضوع ساحة المعارك.

2- ضرورة إطاعة المجاهدين للقائد الأعلى في القتال:أي وأطيعوا الله ورسوله في الأوامر المرشدة إلى أسباب الفلاح في القتال وفي غيرها، وأطيعوا رسوله فيما يأمر وينهى عنه من شؤون القتال وغيرها، لكونه يمثل القيادة العامة بما فيها القيادة العسكرية، فطاعة القائد العام هي أساس وقوام النِّظام الذي هو ركن من أركان الظفر، فكيف إذا كان هذا القائد مؤيداً بالوحي، والنبوة، والتسديد الإلهي(!)13.

3- ضرورة اجتناب المجاهدين للإختلاف أثناء القتال:التَّنازع هو الميل إلى شيء ما، فكلّ واحد من المتنازعين في مسألة يميل إلى غير ما يميل إليه الآخر14، والآية أعلاه تنهي المجاهدين المؤمنين عن الاختلاف والتنازع. وبيّن تعالى في هذه الآية أنّ النزاع يوجب أمرين: أحدهما: حصول الفشل والضّعف. والثاني: خسارة الدولة أو الغلبة، فإن اختلاف الآراء يخل بالوحدة ويوهن القوة15.
4- ضرورة صبر المجاهدين على مكاره القتال:الثّبات أعمّ من الصبر، فالصبر هو ثبات القلب مقابل المكاره بأن لا يضعف، ولا يفزع، ولا يجزع، وبالبدن بأن لا يتكاسل، ولا يتساهل، ولا يزول عن مكانه، ولا يعجل فيما لا يحمد فيه العجل، فالصبر ثبات خاصّ، فقوله: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، أي الزموا الصبر على ما يصيبكم من مكاره القتال مما يهدّدكم به العدو16.

5- الله ناصر المجاهدين الصابرين:المراد من لفظ (مع) في جملة ﴿...إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، المعية بالنصر والظفر17، بمعنى أنّه الضامن للفوز والنصر للصابرين18.

6- الاعتقاد بمعيّة الله للمجاهدين الصابرين ممهّد للصَّبر على المكاره في القتال19:
يستفاد من ورود جملة ﴿...إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بعد الأمر بالصَّبر، مدى تأثير هذا الإعتقاد على صبر المجاهدين على مكاره القتال. وعلى هذا التقدير، فجملة﴿...إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ في نفسها محفّزة على الصبر.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ20.

توضيح المعاني:
﴿حَرِّضِ: من الترغيب والحثّ على فعل الشيء بما يبعث على المبادرة.

الإشارات والمضامين:
1- ترغيب المؤمنين بقتال الكافرين من مهام قائد المجتمع الإسلامي:التحريض لغة، التحضيض، والترغيب، والحثّ21 على شيء. ويستفاد من هذه الآية أنّ من مهام القائد، حثّ الناس على الجهاد22، وترغيبهم فيه بكافّة أسباب التحريض والترغيب من ذكر الثواب الموعود على القتال، وبيان ما وعد الله لهم من النصر والظفر23.

2- ضرورة تقوية روحيّة المقاتلين المؤمنين:مهما يكن مستوى الاستعداد لدى المقاتلين، فيجب قبل بدء القتال (وبعده) تقوية البعد الروحي عندهم24.

3- أهل الإيمان مكلّفون بمقاتلة الكفّار:يستفاد من جملة ﴿...مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ... في آخر الآية، أنّ المراد من "القتال" قتال الكفّار25.

4- الصبر والمقاومة في ساحة القتال من العوامل المهمّة لانتصار المؤمنين على الكفّار26:يستفاد من توصيف المؤمنين بالصابرين، واشتراط الصّبر للانتصار على القوى الأكثر عدداً، أنّ الصّبر من العوامل المهمة للانتصار في ساحة القتال.

5- نفي المعادلة العددية على مستوى عدد المقاتلين المؤمنين مقابل الكفّار:هذه الآية تنفي المعادلة العددية، وتؤكّد على روحية الإيمان والصبر، وحتى لا يُعتَقد أنّ انتصار عشرين مؤمناً على مئتين فيه مبالغة، تكرّر أنّه إذا تحقّق فيهم الإيمان والصبر، فإنّ مئة يغلبون ألفاً، ومثاله: معركة بدر، وأُحُد، والأحزاب، ومُؤْتَة27، والوقوع خير دليل على الإمكان، فكيف إذا كان هذا الوقوع متكرراً؟.

6- عدم امتلاك البصيرة والمعرفة سبب هزيمة الكفّار في مواجهة المؤمنين الصابرين:الباء في جملة ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ للسببية، والجملة تعليلية متعلّقة بقوله: ﴿يَغْلِبُو، وعليه معنى الآية: إن يغلب عشرون من المؤمنين الصابرين مئتين من الذين كفروا، أو يغلب مئة من المؤمنين الصابرين ألفاً من الذين كفروا، كلّ ذلك بسبب أنّ الكفّار قوم لا يفقهون. وفقدان الفقه، - أي العلم والبصيرة -، في الكفّار لاتكائهم على هوى النفس، واعتمادهم على ظاهر ما يسوِّله لهم الشيطان. وعليه، فإنّ الكفّار متّفقون ما لم يلح لائح الموت حيث يرونه فناءً، وأمّا في المخاوف العامّة، والمهاول الشاملة، فيتفرّقون ويفرّون بسبب الجهل الذي يلازمه الكفر والهوى28.

7- البصيرة والمعرفة من عوامل الانتصار:فقدان العلم والبصيرة في الكفّار وبالمقابل ثبوته في المؤمنين، هو الذي أوجب أن يغلب العشرون من المؤمنين، المائتين من الذين كفروا، وإنّما يغلب المؤمنون على ما بُنيَ عليه الحكم في الآية، لأنّ المؤمنين إنّما يقدمون فيما يقدمون عن إيمان بالله، وهي القوّة التي لا يعادلها ولا يقاومها أيّ قوّة أخرى، لابتنائه على البصيرة والفهم الصحيح، حيث يتم وصفهم بكلّ سجية نفسانية فاضلة كالشجاعة، والشهامة، والجرأة، والاستقامة، والوقار، والطمأنينة، والثقة بالله، واليقين بأنّه على إحدى الحسنيين، بعبارة أخرى: فهم وبصيرة المؤمنين اللذين يترافقان مع العلم والايمان هما سبب الغلبة على الكفّار29.

قال الله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ30.

أمرت الآية السابقة المسلمين بعدم الفرار من مقاتلة العدو حتى لو كان عددهم عشرة أضعاف المسلمين، بينما نزلت النسبة في هذه الآية إلى ضعفين. هذا الاختلاف الظاهري أدى إلى إعتبار البعض أنّ حكم الآية السابقة نُسِخ بهذه الآية، أو حمل حكم الآية السابقة على المستحبّ واعتبار حكم هذه الآية واجباً. واعتبر بعض المفسّرين أنّ هذا الاختلاف الظاهري ليس دليلاً لا على النسخ ولا على الاستحباب، وإنّما في كلّ آية حكم لمورد محدّد، فعندما كان المؤمنون ضعفاء، كان مقياس النسبة ضعفي العدد، ولكن هذه النسبة ترتفع إلى عشرة أضعاف عندما يصبح المؤمنون أقوياء ومدرَّبين. وعليه فالحُكمان المذكوران في الآيتين مرتبطان بمجموعتين مختلفتين في ظروف مختلفة31.

الإشارات والمضامين:
1- الضعف الروحي من أسباب تدنّي القدرة على القتال:المراد بالضعف في عبارة ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفً، الضعف في الصفات الروحية الذي ينبع من ضعف الإيمان، لأنّ الإيقان بالحقّ فقط هو الذي ينبعث منه جميع السجايا الحسنة الموجبة للفتح والظفر، كالشجاعة، والصبر، والرأي المصيب. والدليل على أنّ المقصود ليس الضعف من حيث العدّة والقوّة، هو أن المؤمنين كانوا يزدادون عدداً وقوة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم32. ولكن العلة هي علة الضعف الروحي للمسلمين، لأنهم رغم كثرة عددهم، اختلط بهم من هو ضعيف اليقين والبصيرة33. وعليه: يُستفاد من هذه الآية أنّ الضعف الروحي يؤدّي إلى تدنِّي القدرة على القتال.

2- التخفيف إلى واحد مقابل اثنين ليتحقق النصر:ظاهر قوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ... كما قيل، كون الآيتين مسوقتين لبيان الحكم التكليفي، لأنّ التخفيف لا يكون إلاّ بعد التكليف، فالمراد في الآية الأولى: ليثبت الواحد منكم للعشرة من الكفّار، وفي الآية الثانية: الآن خفّف الله في أمره، فليثبت الواحد منكم للاثنين من الكفّار34.

روي عن الامام الصادق عليه السلام: "أما علمتم أنّ الله عز وجل قد فرض على المؤمنين في أول الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين، ليس له أن يولّي وجهه عنهم، ومن ولاَّهم يومئذ دبره فقد تبوَّء مقعده من النار، ثم حوَّلهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفاً من الله عز وجل للمؤمنين، فخفّف الحكم السابق"35.

3- انتصار المؤمنين الصابرين على العدو مناط بالإذن الإلهي:جملة ﴿...بِإِذْنِ اللّهِ... تقييد لقوله ﴿يَغْلِبُو، وعليه يكون معنى الآية: أنّ الله أذن بالغلبة والنصر على الكفّار، نتيجة كونه تعالى شخّص بأن هؤلاء الذين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم هم مؤمنون صابرون، وبذلك يظهر أن قوله: ﴿وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ يفيد فائدة التعليل بالنسبة إلى الإذن36.

4- الله ناصر المجاهدين الصابرين:على الرغم أنّنا لا ندرك جوهر وحقيقة المعيّة الإلهية للصابرين في الآية ﴿وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ولكن نعلم علم اليقين بأنّ من كان الله تعالى معه، فهو الغالب المنصور ولن يغلبه أحد، وعليه يمكن أن نفسّرها بمعيّة المعونة والنصرة.37 نعم، يمكن القول بأن الآيات يحكيها القرآن الكريم تحكي قصة مصداق واحد من المجاهدين في مقطع زمني محدد، ولما كانت الآيات القرآنية عامة، فهي قابلة للانطباق على مصاديق أخرى متى ما توفّر عامل الإيمان، والصبر، والنصرة لله ولدينه، والجهاد في سبيله، والمعية والنصرة الإلهية قابلة للتكرار كذلك.

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ38.

الوعد المذكور في الآية، كان يوم أُحُد، لأنّ المسلمين كانوا يقتلون المشركين، حتى إذا أخلّ الرماة بمكانهم الذي أمرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالبقاء فيه أتاهم المشركون بقيادة خالد بن الوليد من ورائهم، فقتل عبد الله بن جبير ونفر من المؤمنين ممن بقي معه من الرماة، فاغتنم الفارّين من المشركين بارقة النصر وكرّوا على المؤمنين، فقتلوا منهم سبعين رجلاً منهم حمزة عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم39.

توضيح المعاني:
﴿تَحُسُّونَهُم: تقتلونهم، والحسّ هو القتل على وجه الاستئصال.
﴿فَشِلْتُمْ: الفشل هو الجبن والضعف.
﴿صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ: ردّكم عن الكفّار بعد أن أمكنكم منهم بسبب معصيتكم أمر النبي.
﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ: يمتحنكم ويختبر إيمانكم.

الإشارات والمضامين:
1- تحقّق الوعد الإلهي بالنصرة في معركة أُحُد:وَعَد الله المسلمين بالنُّصرة قبل معركة أُحُد، إلا أنّه شرطها بصبر وتقوى المسلمين في قوله: ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ40. في بداية المعركة كان المسلمون يلتزمون بالصبر والتقوى، فصدقهم الله وعده وشملهم بنصره، والدليل على ذلك: أنّ المسلمين كانوا يقتلون المشركين41 كما يوحي به قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ المتعلّقة بعبارة ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ42.

2- إبادة العدو من الأهداف المشروعة للجهاد:كلمة "الحسّ" تعني القتل على وجه الاستئصال43، ولذا كان المسلمون يريدون في دفاعهم بوجه العدو المشرك إبادتهم بإذن الله وأمره.

3- التراخي، التنازع وعصيان أوامر القيادة من عوامل الهزيمة في الحرب:في معركة أُحُد، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير بحراسة الثغر الموجود في جبل "عينين" وقال لهم: "لا تبرحوا هذا المكان، فإنا لانزال غالبين ما ثبتم مكانكم". وبعد بدء القتال وظهور علامات هزيمة المشركين، أدّت الوسوسة بجمع الغنائم من قِبل الرماة إلى فتح ثغرة في دفاعات المعركة، وتراخى الرماة في أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتنازعوا أمرهم بينهم في مسألة الغنائم، فكانت نتيجة ذلك هزيمة المسلمين في معركة أُحُد.

كلمة "فشل"، أي فشلتم في المحافظة على أمر القائد وتراخيتم بتوجيهاته ورأيه، والمراد من ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ، اختلاف عبد الله بن جبير ومن معه مع بقية الرماة الآخرين في في أنه هل يجب الحفاظ على أماكنهم ومواقعهم أم يجب اللحاق بالمشركين ونيل الغنيمة. والمراد من ﴿وَعَصَيْتُم، مخالفة فئة من الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحفاظ على أماكنهم44.

4- الثبات، وإطاعة أوامر القيادة من أسباب تحصيل الإذن الإلهي بالنصر:كلمة ﴿بِإِذْنِهِ، تفيد بأنّ النصر رهن "إذن الله"، وأنّ المسلمين في المرحلة الأولى من المعركة قد هيّأ الله لهم أسباب الانتصار، وحين تراخوا، وتنازعوا، وعصوا ضيّعوا أسباب النصر المهيئة لهم بإرادتهم، وفوّتوا على النبي والمؤمنين بهجة النصر، وهذا يعني أن إذن الله بالنصر أو الهزيمة معلّق على إرادة الإنسان، - إلا في المواطن التي يشاء الله فيها الحسم لصالح الرسالات بما لا يدع فيه للإنسان أي خيار وفق ما يريده الله من مصالح ومفاسد في الرسالات -.

5- انتصار المجاهدين مرتبط بالإذن الإلهي:فاعل ﴿أَرَاكُم هو الله عزّ وجل، والمراد من "ما" في عبارة ﴿مَّا تُحِبُّونَ النصر45.

6- طلب الدنيا يؤدي إلى التراخي، والتنازع، وعصيان أوامر القيادة في الحرب:جملة ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَ دليل جملة ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم46، وعليه يتبيّن: أنّ طلب بعض المسلمين للدنيا في معركة أُحُد أدّى إلى التراخي والتنازع وعصيانهم لأوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

7- طلب الآخرة يؤدي إلى الثبات، والاتّحاد، وإطاعة أوامر القيادة في الحرب:بما أنّ طلب الدنيا ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَ يؤدّي إلى الفشل كما ورد في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ، فالصفات المقابلة تكون كالتالي: الدنيا يقابلها الآخرة، والفشل يقابله النجاح، والتنازع يقابله الاتحاد، وبعبارة أخرى: طلب الآخرة ﴿وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ عبارة تميز بين جهتين جهة تريد الدنيا ولها خصائص تميزها وتتمتع بها كصفة التنازع، والفشل، وعصيان أوامر القيادة. وجهة تريد الآخرة، تحافظ على أوامر القيادة، وتتمتع بصفات الثبات، والنجاح، واتّحاد الرأي.

8- الانسحاب التكتيكي في الحرب أثناء الظروف الاضطرارية:بعد أن فتح المشركون ثغرة في دفاعات المعركة، وقاموا بهجوم معاكس، بدأ بعض المسلمين بالفرار، والبعض الآخر لم يفرّ، فانقسموا بذلك فريقين:
• منهم من فرّ، فعصى أحكام الشريعة، وخلّف النبي في أرض المعركة وحيداً.
• ومنهم من ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم الأقلون عدداً، وبسبب قلتهم انسحبوا من أرض المعركة بعد إذن الله لهم بذلك.

9- الهزيمة في ساحة القتال امتحان إلهي:جملة ﴿صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ، أي كفكم عن المشركين بعد ظهور الفشل، والتنازع، والمعصية، والاختلاف بينكم، ليمتحنكم، ويختبر صبركم، ليميز المؤمن الراسخ في إيمانه عن المنافق47، وهذا يظهر بشكل جلي في ساعات الشّدة وهذا يعني أنّ الله رفع النصرة عنكم بسبب معصية أوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووكلكم إلى أنفسكم فهُزمتم. فالهزيمة امتحان جعله الله لتتوبوا وترجعوا إليه وتستغفروه فيما خالفتم فيه أمره.

10 - التراخي، التنازع وعصيان أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الذنوب:يستفاد من جملة ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ أنّ التراخي، والتنازع، وعصيان أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أُحُد من الذنوب، وكانت تستحقّ العقاب48، ولكن الله عفا عنهم برحمته من دون استحقاق لهم لذلك، لمكان معصيتهم له.

11- الفضل الإلهي منشأ نصرة المجاهدين والعفو عن الذنوب:منشأ جملة ﴿وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، لأنه يحب المؤمنين، ولا يتركهم وشأنهم، ولا يكلهم إلى أنفسهم إلا بعض الأحيان ليتنبهوا، ويثوبوا إلى رشدهم، فيزدادوا التصاقاً بالشريعة، واهتماماً بالمسؤوليات، ويقظة، وإحساساً49.
* كتاب آيات الجهاد، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.



1- سورة الأنفال، الآية 45.
2- تفسير في ظلال القرآن، ج 4، ص 25.
3- تفسير المنار، ج 10، ص 21.
4- سورة الأنفال، الآية 46.
5- تفسير الميزان، ج9، ص 37.
6- تفسير نور، ج4، ص 348.
7- تفسير نمونه، ج4، ص 348 (تفسير الأمثل).
8- تفسير راهنما، ج 6،ص 508.
9- تفسير الميزان، ج 9، ص 95.
10- التفسير الأمثل، ج 5، ص 45.
11- م. ن، ج5، ص 45.
12- سورة الأنفال، الآية 46.
13- تفسير الميزان، ج 9، ص 95.
14- تفسير المنار، ج 10، ص 24.
15- تفسير الميزان، ج 9، ص 95.
16- م. ن، ج 9، ص 94.
17- تقريب القرآن إلى الأذهان، ج 2، ص 340.
18- تفسير في ظلال القرآن، ج 6، ص 510.
19- تفسير راهنما، ج 6، ص 510.
20- سورة الأنفال، الآية 65.
21- تفسير الميزان، ج 9، ص 122.
22- تفسير نور، ج 4، ص 376.
23- تفسير مجمع البيان، ج 3-4، ص 856.
24- تفسير نمونه، ج 7، ص 236 (تفسير الأمثل).
25- تفسير راهنما، ج 6، ص 554-555.
26- م. ن، ج 6، ص 55.
27- تفسير نور، ج 4، ص 375 – 376.
28- تفسير الميزان، ج 9، ص 122-123
29- م. ن.
30- سورة الأنفال، الآية 66.
31- تفسير نمونه، ج 7، ص 238-239 (تفسير الأمثل).
32- تفسير الميزان، ج 9، ص 123.
33- تفسير مجمع البيان، ج 3، ص 856.
34- م. ن، ج 9، ص 125.
35- تفسير نور الثقلين، ج 3، ص 59.
36- تفسير الميزان، ج 9، ص 122.
37- تفسير المنار، ج 10، ص 80.
38- سورة آل عمران، الآية 152.
39- تفسير مجمع البيان، ج 1-2، ص 858.
40- سورة آل عمران، الآية 125.
41- م. ن، ج 1 – 2، ص 858.
42- تفسير راهنما، ج3، ص 116.
43- تفسير مجمع البيان، ج 2، ص 858.
44- تفسير الميزان، ج 4، ص 44، و تفسير مجمع البيان، ج 2، ص 859.
45- تفسير راهنما، ج 3، ص 118.
46- م. ن.
47- تفسير الميزان، ج 4، ص 44.
48- تفسير راهنما، ج 3، ص 119.
49- تفسير الأمثل، ج 2، ص 733.

ثواب المجاهدين والشهداء



قال الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمً1.

توضيح المعاني:
يَشْرُونَ: يبيعون، أي يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية.

الإشارات والمضامين:
1- وجوب الجهاد:﴿فَلْيُقَاتِلْ فعل أمر وفعل الأمر يقتضي الوجوب, فيكون المعنى: فليجاهد في سبيل الله2.

2- من خصائص المجاهدين طلب الآخرة:﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ معناه الذين يبيعون، وعليه، فإنّ معنى الآية هو: الذين يبيعون الحياة الدنيوية الفانية بالحياة الاخرويَّة الباقية3 ليقاتلوا في سبيل الله.

3- طلاب الدنيا لا يليقون ولا يقدرون على الجهاد:الفاء في (فليقاتل) تدل على أنّ هذه الآية هي نتيجة لما تقدّم في الآية السابقة، والمقصود منها حثّ المسلمين على الجهاد وذمّ من يبطئ في الخروج إليه4. وبما أن الله عزّ وجل طلب فقط من الذين يطلبون الآخرة أن يقاتلوا في سبيله - مع كون الجهاد واجباً على كل المسلمين - ففيه إشارة إلى أن طلاب الدنيا غير لائقين بالجهاد في سبيل الله ولا يقدرون عليه5.

4- تنعُّم المجاهدين بالثواب الإلهي العظيم:يَعِدُ الله عزَّ وجل في هذه الآية المجاهدين في سبيله بالثواب والأجر العظيم سواءً غَلَبوا أو استشهدوا. فكلا النصر أو الشهادة عاقبة محمودة للمجاهدين، فإن يقتل في سبيل الله أو يغلب عدو الله له في أيّ حال له أجر عظيم، وعدم ذكر ثالث لهما وهو الانهزام إشارةً إلى أنّ المقاتل في سبيل الله لا ينهزم6. وهذا يدلّ على أنّ المجاهد يضع نصب عينيه أمرين: إما الشهادة أو الغلبة على العدو، فإنه إذا عزم على ذلك لم يفرّ من الخصم ولم يُحجم عن المحاربة.

5- فضيلة الجهاد:إذا كان المجاهدون في كلا التقديرين -النصر أو الشهادة- سوف يحصلون على الأجر الإلهي العظيم فلا عمل أعظم وأشرف من الجهاد إذاً7.

6- عظمة وديمومة ثواب الشّهداء:قُدِّمت الشهادة ﴿فَلْيُقَاتِلْ على الغلبة، (أو يغلب) في الآية، لأنّ ثوابها أجزل وأثبت, لأنّ المقاتل المنتصر على عدو الله في خطر أن يحبط عمله باقتراف بعض الأعمال الموجبة لحبط الأعمال الصالحة واستتباع السيئة بعد الحسنة (مثل الغرور وما شاكل)، بخلاف الشهيد في سبيل الله الذي يستوفي كل أجره العظيم حتماً8.

7- الترغيب في الجهاد:بيان العاقبتين، النصر أو الشهادة، للمجاهدين فيه حثّ على الجهاد، فكأنّه يقول: هو فائز بإحدى الحسنيين: إن غُلِب، أو غَلَب ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيم9.

قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ10.

الإشارات والمضامين:
1- غفران الذنوب، ودخول الجنة ثواب المهاجرين، المخرجين من ديارهم:يُبيّن الله في جملة ﴿...فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ...، الأعمال الصالحة بشكل مفصّل، والهدف من وراء ذلك: تثبيت ثوابها، وأجر كل منها، و"الواو" لتفصيل الأعمال الصالحة دون الجمع، حتى لا يعتقد أحد أن الآية الشريفة تُعدِّد ثواب الشهداء المهاجرين11.

2- عظمة ثواب المهاجرين:اقتران كلمة ﴿ثَوَابً بعبارة ﴿وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ، دلالة على عظمة ثواب المهاجرين، - الذين أخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيل الله-، المجاهدين والشهداء. كما أنّ عبارة ﴿هَاجَرُو، تأكيد لكون ذلك إشارة إلى أن الأجر الإلهي، والمثوبات الإلهية ليست قابلة للوصف بشكل كامل في هذه الحياة الدنيا، بل يكفي أن يعلم الناس بأن هذا الثواب أفضل وأعلى من أي ثواب12.

3- مراتب المشقّات في سبيل الله:يتحمّل المجاهدون في سبيل الله العديد من الصعوبات، وهذه الصعوبات لها مراتب ومراحل:
المرحلة الأولى: الهجرة ﴿هَاجَرُو.
المرحلة الثانية: الإخراج من الوطن ﴿وَأُخْرِجُو.
المرحلة الثالثة: الإيذاء ﴿وَأُوذُو
المرحلة الرابعة: القتال ﴿وَقَاتَلُو.
المرحلة الخامسة: الاستشهاد في سبيل الله ﴿وَقُتِلُو13.
وهذا الاستنباط مبني على أن "الواو" بين الجمل للترتيب.

4- قيمة تحمّل الإيذاء والمشقات لكونها في سبيل الله14:مجيء عبارة ﴿فِي سَبِيلِي بعد جملة ﴿وَأُوذُو، دلالة على أن التعرّض وتحمّل المصاعب والأذى (كالأسر، والإعاقة)، يكون قَيِّمَاً إذا ما كان في سبيل الله.

5- ترغيب المؤمنين في الهجرة، وتحمّل المصاعب في سبيل الله، والجهاد:الآية لا تُفصِّل إلا الأعمال التي تندب إليها هذه السورة، - (آل عمران) -، وتبالغ في التحريض والترغيب فيها15. كما أنّ الله عزَّ وجلَّ يُرَغِّب المؤمنين بالأعمال المشار إليها، بالوعد بالمغفرة، والدخول إلى الجنة.

قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ16.

أسباب النزول:
"عن ابن عباس أنّها نزلت في شهداء بدر، وقُتِل من المسلمين يومئذٍ أربعة عشر رجلاً: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، وكان الناس يقولون: مات فلان، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهي أن لا يُقال فيهم أنهم أموات"17. والمعنى: أن الله نهى أن يُسمّى من قتل في الجهاد أمواتاً، (بل أحياء)، أي هم أحياء18. فلا تعتقدوا فيهم الفناء والبطلان كما يفيد لفظ الموت عندكم ومقابلته مع الحياة - كما يعين على هذا القول حواسكم - فليسوا بأموات بمعنى البطلان، بل أحياء ولكنّ حواسكم لا تنال ذلك ولا تشعر به. والآية دالة على الحياة البرزخية، وعالم القبر المتوسط ما بين القيامة وعالم الدنيا، حيث ينعم فيه الميت أو يعذب. والآية عامة شاملة وليست مخصوصة بشهداء بدر كما ذهب إليه بعض المفسرين19.

الإشارات والمضامين:
1- النهي عن اعتبار الشهداء في سبيل الله أمواتاً:يجب على المؤمنين أن لا يعتبروا الشهداء في سبيل الله ضمن الأموات20.

2- مقياس قيمة بذل النفس بكونه في سبيل الله:القيد ﴿فِي سَبِيلِ اللّهِ، يبيّن أنَّ قيمة بذل النفس والقتل هو بكونه في سبيل الله.

3- الحياة البرزخية للشهداء:المقصود من كون الشهداء أحياء بعد الشهادة - كما ورد في أسباب النزول -، ليس المراد منه إحياء اسم الشهيد، وحسن الثناء، وجميل الذكر له مع الزمن, لأنّ هذه الحياة مجرّد حياة خيالية تقديرية... بل المراد الحياة البرزخية الحقيقية. هذا المعنى تؤكّده عبارة ﴿عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ, لأنّ الرزق يستلزم حياة حقيقية وليس خيالية, ولذا فالآية في صدد تبيين الحياة البرزخية للشهداء21.

4- الشهادة هي الحياة الحقيقية:إنّ فطرة الإنسان تدفعه إلى البحث عن الحياة الحقيقية الخالدة، والقرآن الكريم لا يكتفي بتقديم الموت في سبيل الله، والأهداف المقدّسة على أنَّه طريق الوصول إلى هذه الحياة، وإنما يعتبره عين هذه الحياة.

5- مواساة أعزاء الشهداء بتبشيرهم بالحياة الحقيقية:هذه الآية لإيقاظ وتنبيه أولياء الشهداء بأنَّ قتل أعزاءهم ليس إلا مفارقة لهم في أيام قلائل في الدنيا، وأنهم سيلحقون بهم عما قريب بالموت، وهذا الفراق يسير في مقابل مرضاة الله سبحانه وتعالى، وما ناله أعزائهم من الحياة الطيبة، والنعمة المقيمة، ورضوان من الله أكبر22.

6- تشجيع المؤمنين على القتل في سبيل الله:إخبار الله سبحانه عن حياة الشهداء البرزخية، وتَنَعُّمهم عند الله، يشجِّع المؤمنين على القتال في سبيل الله, لأنَّهم سيعرفون بأنَّهم إذا قتلوا في ميدان الجهاد، فإنَّهم سيصلون إلى الحياة الخالدة، والرضوان الإلهي23.

7- القتل في سبيل الله من القيم السامية24:يوضح الإسلام بأن للشهادة منزلتها العظيمة كما توضح الآية أعلاه وآيات أخرى، وهذا يعطي قيمة كبيرة لمسألة الجهاد من المنظور الإلهي، ويعطي المجاهد مرتبة سامية وهامة على ساحة المواجهة بين الحق والباطل. وهذا العامل أمضى من أي سلاح وأقوى من كل المؤثّرات25.
* كتاب آيات الجهاد، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة النساء، الآية 74.
2- تفسير مجمع البيان، ج 3-4، ص 115.
3- م. ن، ج 3، ص 115..
4- تفسير الميزان، ج 4، ص 418.
5- تفسير راهنما، ج 3، ص 468.
6- تفسير الميزان، ج4، ص 418 – 419.
7- جامع الجامع، ج 1، ص 417.
8- تفسير الميزان، ج4، ص 419.
9- تفسير مجمع البيان، ج3-4، ص 116.
10- سورة آل عمران، الآية 195.
11- تفسير الميزان، ج4، ص 88.
12- التفسير الأمثل، ج 3، ص 55.
13- تفسير نور، ج2، ص263-264.
14- تفسير راهنما، ج3، ص 255.
15- تفسير الميزان، ج4، ص88.
16- سورة البقرة، الآية 154.
17- تفسير مجمع البيان، ج1-2، ص437.
18- م. ن.
19- تفسير الميزان، ح 1، ص 347.
20- تفسير راهنما، ج1، ص 393.
21- تفسير الميزان، ج1، ص 345-346.
22- تفسير الميزان، ج 1، ص 347.
23- تفسير راهنما، ج1، ص 393.
24- م. ن، ج 1، ص 393.
25- تفسير نمونه، ج 1، ص 522 (تفسير الأمثل).

السبت، 27 فبراير 2016

ليتني لم أعرفك


ها أنا أجلس وحيداً في هذه الزاوية المظلمة في سجني الصغير الذي يسمونه "مركز إعادة التأهيل" الخاص بالمدمنين! أفتح خزانة أسراري، دفتر المذكرات، لأستودعه كلمات يلهج بها ما بقي من نبضات قلبي المتعب.

كنت سأنهي دراستي الجامعية التي لم يتبق منها إلا قليل من تعب يزيله فرحة التفوق حين تعلن النتائج، لأعيش في أحضان المستقبل المشرق، أبني عشي الخاص، بيتي وعائلتي... وأحقق ذلك الأمل الذي كان ينبعث دفئاً في لهجة أمي كلما نطقت باسمي أمام جيرانها والأقارب... 

ولكن آه لما اقترفته يداي، ويا لسوء اختياري، أيعقل أن أنقلب من حال إلى حال بسبب صديق؟!
أذكر عندما التقيته أوّل مرّة، تعرّفت إلى شابٍ يملك الصفات التي أطمح إليها، بطموحه وشجاعته وجرأته، (حتى عضلاته التي طالما دلّلها في النادي الرياضي حتى غدت كلاعبي الأثقال، فحاولت أن أكون مثله وأمتلك نفس العضلات) كان صاحباً أغلى من الماس والذهب بل كلِّ كنوز الدنيا، ولم أكن لأقدم على صحبته أيّاً من سائر الأصحاب الذين عرفتهم في الدراسة والحي، وسرعان ما ملكني وسيطر عليّ حتى صيّرني مجرّد تابع له أسير على خطاه! 

لقد سلبني نفسي، وأصبحت أرى فيه كل شيء، أوهمني بأنه مثال للرجل الرجل، بشخصيته القوية، وأنه الحر المستقل برأيه والذي تمنحه حريته كل ما يريد.

كان يخفي وراء عباراته الخادعة وتصرفاته الرعناء، كل ضعف وسقوط.

كان زميل الدراسة والصديق الوحيد الذي حدثته بأسراري ووثقت به، ولم يخطر ببالي أنه سيكون سبب سقوطي وانزلاقي... 

أذكر ذلك اليوم المشئوم عندما أتاني قائلاً: تعال معي إلى مشوار لن تنساه في حياتك...

من دون أن أفكر للحظة: إلى أين؟ وكيف؟ ولماذا؟ سارعت خلفه، ظاناً أننا سننضم إلى أصدقاء آخرين في مطعم أو استراحة...

لكن الأمر كان غير هذا، حينما بدأ يحدثني عن مضايقة الأهل، والنزاع مع طلاب المدرسة، بدأ يستهزئ بكل شيء حولنا... طلب مني أن أتناول تلك الحبة" لأعدّل مزاجي" قلت له حينها أنا لا أعرف ما هذا الدواء، فقال لي: حبة من هذا تخفف عنك الضغط وترتاح (كل الأطباء يصفونه ويمكنك أن تشتريه من الصيدلية) وترددت في البداية ولكنه أقنعني بتناوله حبة قبلي، وتناولت تلك الحبة...

وآه لتلك الحبة التي تلتها حبّات وحبّات وصرت أشعر برغبة دائمة في تناولها، ولا زلت أذكر تلك الليلة التي نزلت في الصقيع إلى الصيدلية التي تجاور منزلنا، وأخرجت الورقة التي كتب لي فيها اسم (الحبَّة) وناولتها للصيدلي بكل ثقة، فصدمني حينما ارتبك وناولني تلك الحبوب في لحظة غفلة من باقي الزبائن.

وكانت نظرته إليَّ حينها أول نظرة شفقة وازدراء أتلقاها في حياتي، لا أدري لمَ شعرت حينها بتلك الشفقة في عينيه ولم أفهم سرها إلا حينما أدركت الحقيقة.

وسرعان ما وجدت نفسي مدمناً على أنواع شتى من تلك السموم: حبوب... وحقن... وغيرها... آتيه كل يوم لأبيع رأسمال الإنسان الوحيد في هذه الدنيا ألا وهو العقل، نعم بعت عقلي، وماذا يبقى من الإنسان عندما يبيع عقله... 
لم أنس يوم أتيته طالباً جرعة أخرى فقال لي: لم يعد معي منها، ولا نملك مالاً لشرائها...

حيث دخلت في سجل السارقين لأول مرة في حياتي، سرقت أبي، أبي الذي أهداني كل ما هو جميل في الحياة... وكنت قبل ذلك سرقت من عينيه بريق الأمل الذي كان يلوح كلّما نظر إليّ، وأحللت مكانه نظرة إحباط وألم، ودمعة حزن يعتصرها قلبه الذي حطّمته بيدي. ذلك البيت الذي كان حلم حياته، والذي كان يدخر عناء السنين الطويلة ليشتريه، ذلك البيت الذي ذبح أضحية على بابه، وافتتحه بمجلس عزاء حسيني للبركة... والذي ضم بجدرانه عائلتنا بكل دفئ وحنان... لم يتردد ببيعه ليؤمّن مصروف علاجي في هذا المركز... لقد حطمت في لحظة طيش، لحظة ظننت أن صديقي الزائف هو الحياة كلها... حطمت أمل الأهل بولدهم البار، وحطمت جنا عمر والدي، وحطمت كبرياء أمي أمام الأقارب والجيران... حطمت نفسي وحطمت مستقبلي...
كنت أمنّي نفسي بأنني وإن خسرت الدنيا ولكن ستبقى لي الآخرة، فإنني سأقف هناك بين يدي رب رحيم... 

رددت هذه الكلمات أمام أحد جيراننا، شاب صالح متدين كان صديق طفولتي، تخليت عنه منذ فترة طويلة ولكنني تحدثت إليه هذه المرة لعلي اسمع منه ما يوقف تأنيب الضمير: هل يحرم تعاطي المخدرات شرعاً ؟؟ ابتسم ذلك الشاب الصالح ابتسامة باردة، وفتح كتاب استفتاءات كان في يديه ورمقني بعينيه لأقرأ.

فقرأت:
يحرم استعمال المواد المخدرة والاستفادة منها مطلقاً نظراً إلى ما يترتب على استعمالها بأي شكل كان من الأضرار الشخصية والاجتماعية المعتد بها، ومن هنا يحرم التكسب بها أيضا بالحمل والنقل والحفظ والبيع والشراء وغير ذلك.

ولكن الذي هزَّ كياني بقوة تلك الرواية التي سمعت إمام المسجد القريب يرددها في إحدى كلماته لتقتحم بيتي وأذني وتسقط كالصاعقة على قلبي، عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "سيأتي زمان على أمتي يأكلون شيئاً اسمه البنج، (وهو...) انا بريء منهم، وهم بريئون مني".

حينها شعرت أنّ السماء قد وقعت على رأسي، واسودّت الدنيا في عيني.

إذا كان شفيعي بريء منّي، فهل سيبقى لي أمل في الآخرة؟!

حينما كنت أتلو القرآن الكريم أيام العافية لم أكن أعرف ما معنى قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا *لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا والآن عرفت أنّ صديقي الفاسد هو المقصود بها، وأنّي أنا القائل والنّادم في ذلك اليوم.

فيا ليتني لم أعرفه ولم أتخذه صديقاً.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ 

الأربعاء، 10 فبراير 2016

أربعة لا تستجاب لهم دعوة

اعظم الذنوب عند الله

متى تقبل التوبة

الثلاثاء، 9 فبراير 2016

الاثنين، 8 فبراير 2016


المشرف : الشيخ ابو علي الفاطمي @@ 2015 @@

Designed by Templateism