اهلا وسهلآ بكم لبيك يا حسيــــــــــــن

الجمعة، 30 أكتوبر 2015

تكوين الدولة الإسلامية

وأعظم ما افترض سبحانه من الحقوق: حق الوالي على الرعية، وحق الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل، فجعلها نظاماً لا لفتهم، وعزاً لدينهم.
فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية، فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إليها حقها، عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على إذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء.

تشكيلات الحكومة في التشريع

إن الذي أعنيه - هنا - بكلمة (دولة) هو (الحكومة)، وهو الذي سيدور حوله الحديث عن (تكوين الدولة)..
والمعنى هذا هو أحد معنيي الكلمة.. وربما تطرقت عابراً في خاتمة الحديث إلى معناها الآخر، وهو (الأرض والأمة والحكومة):
ربما انتظرنا من التشريع الإسلامي - هنا - أن يزودنا بتفاصيل وافية عن تشكيلات الحكومة في عصر الغيبة..
إلا أننا حينما نفهم أن التشكيلات - هنا - تعني الوسائل والأساليب التي تتخذ وتتبع في إدارة ورعاية شؤون الأمة.. نفهم أنها موضوع وليست بحكم.
وذلك أن الأساليب أنواع من سلوك الإنسان وأعماله..

ومن الواضح: أن سلوك الإنسان وأعماله هي موضوعات تتوجه إليها الأحكام، لتوجيه السلوك الإنساني في الوجهة التي ينبغي أن يسير عليها..
وان الوسائل وسائط في تحقيق الامتثالات..

ومن الواضح أيضاً:
 أن الوسائط - هنا - موضوعات لا أحكام، لأنها لا تختلف في مجال تحقيق الامتثال عن الأساليب، إلا بما يتنوع به السلوك من صدوره عن الإنسان بلا مساعد ومباشرة، ومن صدوره بمساعد ومن غير مباشرة..
فهي - أعني الوسائل هنا - جزء متمم لما يتحقق الامتثال في المجال الذي يفتقر فيه إلى الواسطة.

وفي ضوئه:

لا ينتظر من التشريع أن يحدد لنا تشكيلات الحكومة، فيعين الوسائل والأساليب، وذلك أن تحديد الموضوعات لا يعود إليه - عادة-، وإنما وظيفته - بصفته تشريعاً - وضع الأحكام المناسبة للموضوعات بما يحقق المصلحة للناس، ويبعد المفسدة عنهم..

يضاف إليه:

إن خضوع الموضوعات للتغيرات الزمانية والمكانية، وللتطورات الحضارية والمدنية، مما يقف دون إعطاء تحديد ثابت لها.

الخط العام للحكومة

نعم.. هناك شيء ينتظر من التشريع أن يقوله، لأنه يتمشى مع طبيعة الموضوعات في مختلف تطوراتها وتغيراتها.. وهو: إعطاء حكم يحدد نوعية الوسائل والأساليب هنا..

وبعبارة ألصق بالحديث:
وضع خط عام للحكومة في تشكيلاتها.
وهذا اللون من الحكم لا نعدمه في التشريع الإسلامي، فقد فرض على المسلم - بصفته فرداً، وعلى المسلمين - بصفتهم مجتمعاً ودولة - أن يتخذوا الوسائل وينتهجوا الأساليب في إطار الأحكام الإسلامية العامة.

أعني: إنه فرض عليهم تحديد الموضوع أولاً - وسيلة كان أو أسلوباً - والتماس حكمه الشرعي ثانياً.
فمتى ما حدد موضوع والتمس حكمه المسوغ لاتخاذه أو اتباعه، عد وسيلة إسلامية أو أسلوباً إسلامياً..
ويعرف ذلك بالبداهة، العكس بالعكس من طبيعة التشريع الإسلامي.

وعلى هديه:

يلاحظ دائماً في وضع تشكيلات الحكومة متطلبات الظروف والملابسات المحيطة بالدولة - أمة وحكومة - في مجال ما يحقق لها المصلحة العامة، وفي إطار الأحكام الإسلامية العامة.
مستثنيات
فقط.. استثنى التشريع الإسلامي بعض الوسائل والأساليب فحددها بصورة خاصة.

أمثال:
1- تعيين المسؤول العام للدولة من قبل التشريع - كما لمسناه في موضوع رئيس الدولة - حيث أعطى التشريع الإسلامي كلمته فيه، وأناط به المسؤولية الكبرى في مجال الحكم.
2- تقييد الدولة بدستور موضوع.
3- تقييد تعيين الحكام بتوفر شروط معينة فيهم، أمثال: الكفاءة والعدالة1، وغيرهما من إمكانيات الحكم وضماناته.

وذلك لأن طبيعة الاحتياط فيما يجعل التشكيلات الحكومية تحقق للأمة والحكومة مصلحتهما العامة تفرض ذلك فرضاً.
ومنه نستطيع أن ندرك مدى اهتمام التشريع الإسلامي للمسألة، حيث حسب للتطور كل الحساب، وأخذه بنظر الاعتبار التام، فلم يضع التفاصيل لئلا تصطدم بالتطور، ولم يهمل وضع التعاميم احتياطاً عن انحراف القضية.

السلطات الثلاث

وفي ضوء ما انتهينا إليه من اعتبار الفقيه الأعلم حاكماً عاماً للمسلمين، ورئيساً أكبر للدولة الإسلامية.. ومن أن التشكيلات الحكومية تعود إلى طبيعة متطلبات الظروف ومقتضيات الأحوال المحيطة بالأمة والحكومة والملابسة لهما يكون توزيع السلطات الثلاث، بالشكل الذي يعطي المخطط العام للحكومة كما يلي:

أ- السلطة التشريعية:

تعود إلى الفقهاء العدول، تحت إشراف الفقيه الأعلم (رئيس الدولة)..
فتشكل اللجان والهيئات التشريعية منهم وبإشرافه..
ووظيفتها تتلخص بما يأتي:

1- بيان الأحكام..

والأحكام: هي التي شرعت بنص خاص من الكتاب والسنة أو ثبتت بالضرورة من الدين، أمثال: وجوب الزكاة والخمس وتعيين مصارفهما، وإعداد القوة قدر المستطاع لإرهاب عدو الله..
ونستطيع أن نصطلح عليها بـ (الدستور).
2- وضع التعاليم..
والتعاليم: هي الأحكام التي لم تشرع بنص خاص، وإنما أوكل أمر استنباطها إلى اجتهاد الفقهاء داخل إطار الأحكام الإسلامية العامة، نظراً لتطورها، تبعاً لتغير الظروف والأحوال، مثل: وجوب التدريب العسكري في هذا العصر، نظراً لتطور وسائله وأساليبه إلى ما يفرض ذلك من باب المقدمة للدفاع الواجب.. ومثل: تحديد مقدار ضريبة الخراج والجزية وما شاكل.
ونستطيع أن نصطلح عليها بـ(النظام).

ب - السلطة التنفيذية:

تعود إلى الأمناء من أبناء الأمة، ممن تتوفر فيهم إمكانيات القيام بمسؤولية التنفيذ وضماناته الشرعية.
ويرجع أمر تعيينهم إلى رئيس الدولة، واللجان التي أعدها وشكلها لذلك، ممن تتوفر فيهم الخبرة الكافية للقيام بمثل هذا العمل.

ووظيفتها تتلخص بما يأتي:
1- القيام بتطبيق الدستور والأنظمة.
2- تشكيل لجان وهيئات علمية، تختار أفرادها من مختلف الاختصاصيين: سياسيين واقتصاديين وعسكريين وتربويين واجتماعيين.. الخ.
ممن تتوفر فيهم الضمانات الشرعية..
توكل إليهم مهمة القيام بدراسة مجالات التطبيق، ومعرفتها معرفة كاملة بشتى ظروفها وملابساتها وأحوالها وجميع علاقاتها،.. وبتقديم نتائج الدراسة إلى السلطة التشريعية، لتقوم هي بدورها بتزويد السلطة التنفيذية بالأحكام الخاصة لهذه الموضوعات.

أمثال: تكوين علاقات سياسية مع دولة أخرى، أو عقد اتفاقية تجارية، أو فتح مشاريع زراعية وصناعية وثقافية وصحية واجتماعية وما شاكلها.
لتقوم هي - أعني السلطة التنفيذية - بعد أخذ أحكامها من السلطة التشريعية - بدورها في تطبيقها.

ج - السلطة القضائية:

وتعود إلى الفقهاء أيضاً.
ويرجع أمر تعيينهم إلى رئاسة الدولة.

ووظيفتها:

القضاء بين المواطنين، وحل الخصومات، سواء كانت قائمة في نطاق ما يسمي اليوم بـ(الأحوال الشخصية)، أو في غيره من نطاقات الحياة المختلفة..
وذلك لأن الإسلام لا يحتوي نوعين من القضاء: مدنياً وشرعياً، وإنما كل القضايا من وجهة نظره، سواء كانت من نوع ما يسمى _ اليوم - بالقضايا المدنية أو القضايا الشرعية، يعود أمر حلها إلى القانون الإسلامي ووفق أحكامه.
لأن القوانين المدنية من وجهة نظر الإسلام لا تعتبر قوانين للتطبيق، ولا يسوغ بحال من الأحوال الأخذ بها.

شكل الحكومة

ونستطيع بعده أن نخلص إلى أن شكل الحكومة الإسلامية زمن الغيبة هو أنها: حكومة دستورية، يرأسها الفقيه الأعلم العادل وتدار من قبل أجهزة كافية من الاختصاصيين العدول، وبإشراف الرئاسة العادلة.

مبدأ الحق الإلهي:

وهنا.. أود أن أشير إلى مفارقة وقع فيها بعض الكتاب حول الموضوع، وهي اعتبارهم أمثال هذا الحكم من نوع (الحق الإلهي)..
وفي عقيدتي: أن منشأ المفارقة هو عدم التفرقة بين الحق الإلهي، الفكرة المعروفة في التاريخ، والتي تمثلت في حكم الفراعنة بمصر القديمة، وفي حكم الملوك في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوربا، وخاصة في فرنسا2.. وبين الحق الإلهي الذي يتبناه التشريع الإسلامي.
ذلك أن الأولى تؤمن بالحق الإلهي تكويناً..

ومعناه: أن الحاكم إن لم يكن إلهاً كالفراعنة يتصرف بمربوبيه كيف يشاء.. فالله تعالى سلطه على الناس بالشكل الذي لا يسوغ لهم بحال من الأحوال محاسبته أو معارضته، لأن تسلطه شيء لابد وأن يقع،..ولعلنا ندرك ذلك أيضاً من تسميته بـ(التفويض الإلهي) أيضاً.
وإن الإسلام يؤمن بالحق الإلهي تشريعاً..

ومعناه: أن الله تعالى - بصفته مشرعاً للدستور - منح الحاكم نبياً أو إماماً أو غيرهما ممن تتوفر فيه شروط الحاكم المسلم حق الحكم بين الناس قانونياً (لتحكم بين الناس بما أراك الله)3.
ومن فرض التشريع الإسلامي على الأمة مراقبة الحاكم المراقبة التامة، ومحاسبته المحاسبة الشديدة، وعزله حين المخالفة والإصرار عليها، يفهم بذلك بوضوح. والتاريخ الإسلامي مملوء بوفرة من شواهد محاسبة الأمة للحكام المسلمين4.

دور الأمة في المراقبة

أما دور الأمة في مراقبة الحكومة ومحاسبتها وعزلها، فنستطيع أن نوجزه بما يأتي:
هو أن على الأمة - كل الأمة - ملاحظة الجهاز الحاكم في مجالات التشريع والتنفيذ والقضاء، الملاحظة المستوعبة والدقيقة، فمحاسبته عند وقوع أي خطأ تشريعياً كان أو تنفيذياً أو قضائياً.. (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)5.. (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)6.

والأسلوب الذي تتبعه الأمة في المحاسبة والعزل هو:
أولاً - أن تتبع الأساليب اللاعنفية، ومعالجة القضية بالطرق السلمية.
وثانياً - عند عدم الجدوى تتبع الأساليب العنفية، وتعالج القضية بالطرق الثورية.
ويراعى في اتباع الطرق الثورية الاحتياط التام في وقوع الضرر الأقل، وبمقدار ما تقتضيه الضرورة.

الدولة في مجالها الواسع

وفي ختام الحديث - هنا - أعود لأفي بما وعدته من التطرق عابراً إلى الدولة في مجالها الواسع، وهو:
1- الأرض، والتي تعني (الوطن).
2- والأمة، والتي يريدون بها (المواطنين).
3- والحكومة، والتي يقصدون منها (السلطة).
فالأرض أو الوطن الإسلامي - اليوم - هو: كل بقعة من الأرض كانت خاضعة سياسياً إلى حكم إسلامي، سواء بقيت بأيدي المسلمين، أو سلبت منهم كفلسطين وإسبانيا.

ويعني هذا: أن على الدولة الإسلامية - عند قيامها في أي بقعة من الأرض كانت - استرجاع ذلك الوطن الإسلامي، بقسميه: الباقي بأيدي المسلمين، والمسلوب منهم، وإخضاعه للنفوذ السياسي الإسلامي.
والمراد بالأمة أو المواطنين: كل من توفرت فيه شروط المواطنة، وفق تعليمات التشريع الإسلامي في المجال السياسي.
أما الحكومة أو السلطة.. فقد مر الحديث عنها7.

1- في حديث عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا تقبلن في استعمال عمالك وأمرائك شفاعة إلا شفاعة الكفاية والأمانة)
2- يقرأ: دكتور محمد طه بدوي ودكتور محمد طلعت الغنيمي، النظم السياسية والاجتماعية، ص 259.
3- الآية 105 من سورة النساء.
4- يقرأ للاطلاع على بعض الشواهد: الميرزا النائيني، تنبيه الأمة وتنزيه الملة.
5- حديث شريف.
6- الآية 72 من سورة التوبة.
7- دولة القائم المنتظر / العلامة عبد الهادي الفضلي.

عقيدتنا في المهدي عليه السلام

إنّ البشارة بظهور المهديّ من ولد فاطمة في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، ثابتة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتواتر، وسجّلها المسلمون جميعاً فيما رووه من الحديث عنه على اختلاف مشاربهم1.

وليست هي بالفكرة المستحدثة عند الشيعة دفع إليها انتشار الظلم والجور فحلموا بظهور من يطهّر الأرض من رجس الظلم، كما يريد أن يصوّرها بعض المغالطين غير المنصفين.

ولولا ثبوت فكرة المهدي عن النبي على وجه عرفها جميع المسلمين وتشبَّعت في نفوسهم واعتقدوها، لما كان يتمكّن مدّعو المهدية في القرون الأولى ـ كالكيسانية والعباسيين، وجملة من العلويين وغيرهم ـ من خدعة الناس واستغلال هذه العقيدة فيهم طلباً للملك والسلطان، فجعلوا ادّعاءهم المهدية الكاذبة طريقاً للتأثير على العامة، وبسط نفوذهم عليهم.

ونحن مع إيماننا بصحّة الدين الإسلامي، وأنّه خاتمة الأديان الإلهية، ولا نترقَّب ديناً آخر لإصلاح البشر، ومع ما نشاهد من انتشار الظلم، واستشراء الفساد في العالم على وجه لا تجد للعدل والصلاح موضع قدم في الممالك المعمورة، ومع ما نرى من انكفاء المسلمين أنفسهم عن دينهم، وتعطيل أحكامه وقوانينه في جميع الممالك الإسلامية، وعدم التزامهم بواحد من الألف من أحكام الإسلام، نحن مع كل ذلك لابدّ أن ننتظر الفرج بعودة الدين الإسلامي إلى قوّته وتمكينه من إصلاح هذا العالم المنغمس بغطرسة الظلم والفساد.

ثمّ لا يمكن أن يعود الدين الإسلامي إلى قوّته وسيطرته على البشر عامة، وهو على ما هو عليه اليوم وقبل اليوم من اختلاف معتنقيه في قوانينه وأحكامه وفي أفكارهم عنه، وهم على ما هم عليه اليوم وقبل اليوم من البدع والتحريفات في قوانينه والضلالات في ادّعاءاتهم.

نعم، لا يمكن أن يعود الدين إلى قوّته إلاّ إذا ظهر على رأسه مصلح عظيم، يجمع الكلمة، ويرد عن الدين تحريف المبطلين، ويبطل ما ألصق به من البدع والضلالات بعناية ربّانية وبلطف إلهي، ليجعل منه شخصاً هادياً مهدياً، له هذه المنزلة العظمى، والرئاسة العامّة، والقدرة الخارقة، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.

والخلاصة: أنّ طبيعة الوضع الفاسد في البشر البالغة الغاية في الفساد والظلم ـ مع الإيمان بصحّة هذا الدين، وأنّه الخاتمة للأديان ـ يقتضي انتظار هذا المصلح المهدي لإنقاذ العالم ممّا هو فيه.

ولأجل ذلك آمنت بهذا الانتظار جميع الفرق المسلمة، بل الأمم من غير المسلمين، غير أنّ الفرق بين الإمامية وغيرها هو أنّ الإمامية تعتقد أنّ هذا المصلح المهدي هو شخص معيّن معروف ولد سنة 256 هجرية ولا يزال حياً، هو ابن الحسن العسكري واسمه محمّد، وذلك بما ثبت عن النبي وآل البيت من الوعد به، وما تواتر عندنا من ولادته واحتجابه.

ولا يجوز أن تنقطع الإمامة وتحول في عصر من العصور وإن كان الإمام مخفياً، ليظهر في اليوم الموعود به من الله تعالى، الذي هو من الأسرار الإلهية التي لا يعلم بها إلاّ هو تعالى.

ولا يخلو من أن تكون حياته وبقاؤه هذه المدة الطويلة معجزة جعلها الله تعالى له، وليست هي بأعظم من معجزة أن يكون إماماً للخلق وهو ابن خمس سنين يوم رحل والده إلى الرفيق الاعلى، ولا هي بأعظم من معجزة عيسى إذ كلّم الناس في المهد صبياً وبعث في الناس نبياً.

وطول الحياة أكثر من العمر الطبيعي ـ أو الذي يتخيّل أنّه العمر الطبيعي ـ لا يمنع منها فن الطب ولا يحيلها، غير أنّ الطب بعد لم يتوصّل إلى ما يمكّنه من تعمير حياة الانسان، وإذا عجز عنه الطب فانّ الله تعالى قادر على كلّ شيء، وقد وقع فعلاً تعمير نوح وبقاء عيسى عليهما السلام كما أخبر عنهما القرآن الكريم، ولو شك الشاك فيما أخبر به القرآن فعلى الاسلام السلام.

ومن العجب أن يتساءل المسلم عن إمكان ذلك وهو يدّعي الإيمان بالكتاب العزيز!!
وممّا يجدر أن نذكره في هذا الصدد ونذكّر أنفسنا به: أنّه ليس معنى انتظار هذا المصلح المنقذ المهدي أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي فيما يعود إلى الحق من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته، والجهاد في سبيله، والأخذ بأحكامه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

بل المسلم أبداً مكلّف بالعمل بما أنزل من الأحكام الشرعية، وواجب عليه السعي لمعرفتها على وجهها الصحيح بالطرق الموصلة إليها حقيقة، وواجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ما تمكّن من ذلك وبلغت إليه قدرته، كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته.

فلا يجوز له التأخّر عن واجباته بمجرد الانتظار للمصلح المهدي والمبشّر الهادي، فإنّ هذا لا يسقط تكليفاً، ولا يؤجّل عملاً، ولا يجعل الناسَ هملاً كالسوائم.

*عقائد الإمامية، الشيخ محمد رضا المظفر، ص: 91-94.


1- الغيبة للطوسي: 187، سنن أبي داود 4/107، سنن ابن ماجه 2/1368، مستدرك الحاكم 4/557، سنن الترمذي 4/505.

سننه صلى الله عليه وآله في السفر وآدابه


1 ـ عن الصدوق في الفقيه: بإسناده عن عبد الله بن سليمان عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يسافر يوم الخميس1.

أقول: وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة2.

2 ـ وعن ابن طاووس في أمان الأخطار وفي مصباح الزائر قال: ذكر صاحب كتاب عوارف المعارف: أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان إذا سافر حمل معه خمسة أشياء: المرآة، والمكحلة، والمذري، والسواك. قال: وفي رواية اُخرى: والمقراض3.

أقول: وروي هذا المعنى في مكارم الأخلاق4 والجعفريات5.

3 ـ وفي المكارم: عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا مشى مشى مشياً يعرف أ نّه ليس بعاجز ولا كسلان6.

أقول: وقد تقدّم في أحاديث جمّة أ نّه صلى الله عليه وآله كان يخطو تكفّؤاً، وإذا مشى تقلّع كأنّما ينحطّ من صبب.

4 ـ وفي المكارم، نقلا من كتاب النبوَّة; قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحبّ الركوب على الحمار مؤكّفاً7الخبر.

5 ـ وفي الكافي: مسنداً عن إسماعيل بن همّام عن أبي الحسن عليه السلام قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله حين غدا من منى في طريق ضبّ8 ورجع ما بين المأزمين9. وكان إذا سلك طريقاً لم يرجع فيه10.

أقول: ورواه الصدوق مرسلا11. وروى هو أيضاً قريباً منه مسنداً عن موسى عن الرضا عليه السلام.

6 ـ وفي البحار: وكان صلى الله عليه وآله إذا أراد حرباً ورّى بغيره12.

7 ـ وفي الفقيه: بإسناده عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في سفره إذا هبط سبّح، وإذا صعد كبّر13.

8 ـ وعن القطب في لبّ اللّباب: عن النبيّ صلى الله عليه وآله أ نّه لم يرتحل من منزل، إلاّ وصلّى عليه ركعتين، وقال: حتّى يشهد عليّ بالصلاة14.

9 ـ وفي الفقيه: قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ودّع المؤمنين قال: زوّدكم الله التقوى، ووجّهكم إلى كلّ خير، وقضى لكم كلّ حاجة، وسلّم لكم دينكم ودنياكم، وردّكم إليّ سالمين15.

10 ـ وعن البرقيّ في المحاسن: مسنداً عن عليّ بن أسباط عمّن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ودّع رجلا فقال: استودع الله دينك وأمانتك، وزوّدك زاد التقوى، ووجّهك للخير حيث توجّهت. قال: ثُمَّ التفت إلينا أبو عبد الله عليه السلام فقال: هذا وداع رسول الله صلى الله عليه وآله لعليّ عليه السلام إذا وجّهه في وجه من الوجوه16.

أقول: والأخبار في دعائه صلى الله عليه وآله عند الوداع كثيرة مختلفة اختلافاً فاحشاً، لكنّها على اختلافها تتضمن الدعاء بالسلامة والغنيمة.

11 ـ وفي الجعفريات: 
بإسناده عن جعفر بن محمَّد عن آبائه عن عليّ عليهم السلام أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول للقادم من مكّة: "تقبّل الله نسكك، وغفر ذنبك، وأخلف عليك نفَقتك"17.

1-الفقيه 2: 266، ومكارم الأخلاق: 240، وعوارف المعارف: 126.
2-عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 37.
3-الأمان: 54، ومصباح الزائر: 28، ودعائم الإسلام 1: 118 و 2: 165.
4-مكارم الأخلاق: 35.
5-الجعفريات: 185.
6-مكارم الأخلاق: 22.
7-مكارم الأخلاق: 24.
8-الضبّ ـ بفتح المعجمة وتشديد الباء الموحدة ـ : اسم الجبل الذي مسجد الخيف في أصله الصحاح 1: 168.
9-المأزم: كل طريق ضيّق بين جبلين: ومنه سمّي الموضع الذي بين المشعر وبين عرفة مأزمين الصحاح 5: 1861.
10-الكافي 4: 248 و 8 : 147.
11-الفقيه 2: 237.
12-بحارالأنوار 13: 135، نقلا عن معاني الأخبار: 386، وفيهما «سفراً».
13-الفقيه 2: 273، والكافي 4: 287، ومكارم الأخلاق: 261.
14-عوارف المعارف: 126.
15-الفقيه 2: 276، ومكارم الأخلاق: 249، وعوارف المعارف: 125، والمحاسن: 354.
16-المحاسن: 354، والمستدرك 8: 208، ومكارم الأخلاق: 249.
17-الجعفريات: 75، والفقيه 2: 299، والمستدرك 8: 232

لا تركنوا إلى ظالم


قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ1.

إنّما يتمّ امتحان النّفوس لتتمايز الحرّة منها والأبيّة من الخانعة والخاضعة عندما ينتشر الظلم ويعمّ الفساد ويتجبّر الحكّام ويشتدّ طغيانهم، فحينها نجد أقواماً يتلاشون ويذوبون في آلة الظلم أعواناً وأدوات ونجد آخرين ينزحون من طريق الظالم فلا يعود أمامه معوّقات، فيما نجد آخرين يثبتون على المبادئ غير عابئين بالضّرر والأذى والمعاناة التي تلحق بهم، ويحتسبون كلّ ذلك عند الله متمثلين قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ2.

حرمة الركون إلى الظالمين:
ثمّة آية معروفة في كتاب الله تتحدّث عن صفة من صفات أهل الإيمان وخلّة من خللهم والتي تشكّل علامة فارقة لهم عن غيرهم، ألا وهي الثبات على الحقّ وعدم ممالأة الظالم أو الركون إليه، وهي قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ3.

يرى أهل التفسير أنّ المراد بالركون هو السكون إلى الشيء... والذي منه الرضا بما عليه الظلمة من ظلم واضطهاد، وربّما تشير إلى أنّ هؤلاء ربّما يقومون بتزيين عمل الظالمين وتسويغ مواقفهم وترويج سياساتهم، وأيضاً يشاركون الظالمين في إدارة رحى ظلمهم على النّاس، وربّما يراد كذلك أنّ هؤلاء يقومون بمداهنة الظالمين قولاً وفعلاً فلا ينكرون عليهم ظلمهم ليصبحوا عمليّاً من المشاركين في ظلمهم إذا ما تحقّق فهم الرضا بفعل الظالمين.

فالآية آتية للتحذير من ذلك كلّه، بل جاءت لتحرّم أدنى أنواع الميل للظالمين ولو كان بالشيء القليل اليسير فالإسلام يريد أن يحمل المسلم والمؤمن في شخصيّته روح الإباء للظلم والرفض للطغيان. فالمطلوب دائماً من المؤمنين الوقوف مع المظلوم بوجه الظالم دفاعاً عن حقوقه، والمطلوب مقاومة الظالم والإنكار عليه والثورة على ظلمه لا الموافقة له وتكثير الجمع حوله وإضعاف حالات المعارضة له من خلال خذلان الحقّ والتخذيل عنه.

لماذا يحرم الركون للظالم:
إنّ للركون للظالم مفاسد كثيرة غير خافية على ذي لبّ، فهي تؤدّي إلى انقلاب المفاهيم والقيم بحيث يصبح القبيح جميلاً والجميل قبيحاً، وكذلك تغري الظالم بالمزيد من الظلم وتيسّر له اندفاعته في هتك الحرمات ودوس الكرامات فالإقرار للظالم بشرعيّة ظلمه وبحقّه في الحكم يغريه بالزيادة، إضافة إلى إشاعة حالات الجبن والقعود والتخاذل، فضلاً عن إيجاب سوء ظنّ النّاس بالدّين وبمبادئه وقيمه، ولعلّه لذلك جاءت عبارات الإمام الحسين عليه السلام: "... ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله"4 ولذا كان بنظر الحسين عليه السلام النهوض بوجه الظالم جهاداً ولو أدّى إلى الشهادة.

عاقبة الركون للظالمين:
لأنّ الركون للظالمين على هذا المستوى من الخطر الذي يؤدّي إلى المسخ الثقافيّ والقيميّ لمجتمع المؤمنين ولأفراد هذا المجتمع فضلاً عن كونه مخالفة صريحة لما جاء من نهي الله عنه، فإنّ ما رتبه الله المتعالي على ارتكانه هو العذاب والعذاب في النّار بقوله: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ.

حيث إنّ المرتكب لهذا الأمر قد خالف صريح أوامر الله ونواهيه، فبدل محاربة الظالم ونصرة المظلوم، تراه شارك في ظلم الظالم وأعانه على ظلمه.

وربّما أشار بعض المفسّرين إلى أنّه من عواقب الركون إلى الظالمين، أنّ من يركن إليهم قد لا يسلم من ظلمهم وسياط بطشهم، فما المانع حينها أن يتعدّى الظالم بظلمه إلى من ركنوا إليه واستقووا به وزيّنوا له ظلمه وأَغرَوه بالمزيد، وخذلوا النّاس عن الوثوب للثورة عليه؟

فنار ظلم الظالم إذا ما اشتدّ أوارها لا يُضمن ألّا تتعدّى إلى جوارها وأوائل المحترقين بنيران الظالمين أولئك المزينين للظالم ظلمه المروّجين لسياساته والضاربين ظهور المستضعفين بسياط جبروته. بل إنّ مجرّد الرضا بفعل الظالم تجعلنا شركاء في ظلمه وبالتالي شركاء في عقوبته.

خاتمة:
كما جاء في الحديث الشريف: "الراضي بفعل قوم كالدّاخل فيه معهم"5.

لقد ضرب الإمام الحسين عليه السلام نموذج التعاطي مع الحاكم الظالم ونموذج التعاطي مع استغاثات المظلومين، فأجاب أهل العراق وبالخصوص أهل الكوفة الذين استنصروه على طاغية عصرهم، فحمل أهله وخيرة أصحابه وهب مجيباً استغاثاتهم عازماً على العمل على النهوض ليغير على الحاكم الظالم حتّى لا يكون من الداخلين.

مداخل الظالمين:
كما جاء في الرواية عن الإمام الحسين عليه السلام عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من رأى سلطانا جائراً مستحلّاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثمّ لم يغيِّر بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله"6.
* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة هود، الآية 113
2- سورة إبراهيم، الآية 12.
3- سورة هود، الآية 113
4- بحار الأنوار، ج 44 ص 325.
5- نهج البلاغة، الموعظة رقم 154.
6- بحار الأنوار، ج 44 ص 382.

خير الأمم الموحّدة المتضامنة


﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ1.

خير الأمم أمّة التضامن:
جاء الإسلام ليبني أمّة، ولكن ليس كما كان سائداً ومفهوماً في ذلك الزمن، الأمّة التي يريدها الإسلام أمّة يصوغها الدّين، فتحمِله عقيدة، وتجسّده قيماً ومفاهيم وتعكسه سلوكاً في حركة الأفراد والجماعات.

وقد أكّد الإسلام على ذلك بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ2.

فأمّة الإسلام أمّة هي في نفسها بما تحمله خير الأمم من عقيدة وفكر ومفاهيم وقيم، وهي خير أمّة أخرجت للنّاس، فخيرها ليس محبوساً فيه، وإنّما هو خير واصل لغيرها من الأمم، حيث تقدّم النموذج الأفضل للأمم على طول المسيرة البشريّة، بل هي خلاصة جهود الأنبياء والأولياء وثمرة حركتهم، وهذه الأمّة لن تكون خير أمّة أُخرجت للنّاس ما لم يفض خيرها ويصل إلى غيرها عبر أمرين، تقديم النموذج الرائع والجذّاب والنوّار بالفضائل وما لم تقم بمهمّة نشره وتوسيعه، وذلك لا يقوم إلّا بدوام حركة التطهير أو فقل الإصلاح الداخليّ ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولأنّ هذه المهمّة مسؤوليّة عامّة فإنّ صناعة خير الأمم، وإبراز آيات جلالها وجمالها لا يكون إلّا بتجسيد مبدأ:﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ3.

والذي يمكن تسميته باعتماد منهج التضامن بين المسلمين خصوصاً في أيّام الأزمات التي تواجهها الأمّة.

دور التضامن في بناء الوحدة:
إنّ الأمم خصوصاً الأمّة الإسلاميّة تواجه في مسيرتها وحياتها أزمات ذات أنواع وألوان فمنها:- الأزمات الاجتماعيّة
- الأزمات الاقتصاديّة
- الأزمات الأمنيّة والعسكريّة
- الأزمات الطبيعيّة أو الكونيّة الناتجة من الكوارث والآفات الطبيعيّة
- أزمات ثقافيّة وفكريّة


ومن أخطر الأزمات الأمنيّة التي تواجهها الأمّة الفتن التي يسعى الأعداء إلى إيقاع الأمّة فيها والتي تأخذ أشكالاً وتتخذ أدوات فكريّة وثقافيّة وأحياناً عرقيّة وغير ذلك، بهدف تمزيق الأمّة والسيطرة عليها.

فالتضامن والتكافل والتعاون بين مختلف قوى الأمّة كفيل بدفع أخطار هذه الأزمات جميع، وحفظ الأمّة ومجدها وعزّها والتضامن ركيزة من ركائز بناء وحدة الأمّة الكفيلة بدرء هذه الأخطار وكبح قدرتها على تقويض بنيان الأمّة، ولذا كان التأكيد على هذه الوحدة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ4.

كيف يتجلّى مبدأ التضامن والتعاون؟
ثمّة ألوان مختلفة يتجلّى فيها مبدأ التضامن والتعاون الذي قوامه كونه تعاوناً وتضامناً على ما فيه تقوى الله، أي حول قيم الإسلام وشريعته وعقائده ومفاهيمه، وليس تضامناً قبليّاً على طريقة نصرة القريب ظالماً أو مظلوم، بل في ضوء ما فيه رضا الله واجتناب سخطه، ومن المجالات التي يتجلّى فيها التضامن:

1- لزوم الوحدة:بمعنى ملازمة كلّ قول وفعل يقوّي عرى الوحدة بين المسلمين وعدم الذهاب إلى ما يوجد الفرقة والتناحر وقد دعانا الإمام الصادق عليه السلام إلى ذلك قائلاً: "من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"5.

2- التكافل الاجتماعيّ وقضاء الحوائج:فالتكافل الاجتماعي القائم على حبّ المسلم لأخيه المسلم وإيثاره، وأن يكون ضمير المسلم صاحياً اتجاه أخيه المسلم كما يمكن تفسير الحديث المشهور عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم"6.

فالمطلوب أن يحمل المسلم هموم أمّته وأبناء أمّته وليتحوّل هذا الاهتمام إلى خطوات عمليّة إذ إنّه حين سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم:"اتّباع سرور المسلم"، قيل: يا رسول الله: وما اتّباع سرور المسلم؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم:"شبعة جوعه، وتنفيس كربته، وقضاء دينه"7.

فالتكافل الاجتماعيّ حقيقة هو نظام أخلاقيّ يستند إلى خلفيّة عقديّة ومن وجوه تجسيد التزامه الدينيّ وانتمائه إلى الإسلام.

3- نصرة المظلوم:فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "يقول الله عزَّ وجلَّ: وعزّتي وجلالي لأنتقمنّ من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمنّ ممّن رأى مظلوماً فقدر أن ينصره فلم ينصره"8.

فالإسلام يريد بذلك تربية المنتمين إلى عقيدته والملتزمين بشريعته على خلق عظيم وهو رفض الظلم ومقاومته، سواء أتى الظلم من خارج الأمّة الإسلاميّة ومن عدوّ خارجيّ، أو كان الظالم من داخل الأمّة فرداً عاديّاً كما يمكن الفهم من دعاء الإمام السجّاد عليه السلام: "اللهمّ إنّي أعتذر إليك من مظلوم ظُلم بحضرتي فلم أنصره..."9.

أم مطلقاً كما جاء في وصيّة الإمام عليّ بن أبي طالب لولديه الحسن والحسين عليهما السلام حيث قال:"وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً"10.

وحيث إنّ بعض أنواع الظلم خصوصاً الداخليّ والذي قد يقع من سلطان جائر غاشم فثمّة مبدأ آخر متفرّع على مبدأ نصرة المظلوم وهو التناحر الذي هو من تجلّيات التضامن والتعاون، فالتناحر هو بالدرجة الأولى نوع من الحركة الموحّدة والجماعيّة في مواجهة الظلم الخاصّ أو العامّ لكن أهمّ تحدّياته ومجالاته الظلم العامّ الواقع على الأمّة أو فئة كبيرة منه، ومعناه أن يلتزم أبناء المجتمع بنصر بعضهم بعضاً ونصر الله تعالى، وإن كان نصر بعضهم بعضا وهم محقّون هو نصر لله، فإن فعلوا ذلك ولم يتخاذلوا يتحقّق الوعد الإلهيّ: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ11.

ولذا اعتبرت النصرة من واجبات كلّ مسلم اتجاه كلّ مسلم وقد رتّب الله تعالى على نُصرته لأخيه أجراً كبير، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أخذ للمظلوم من الظالم كان معي في الجنّة مصاحباً"12 فيما يترتّب على خذلان المسلم للمسلم خذلان الله له من مواطن هو أحوج ما يكون فيها للنصرة.

الحسين عليه السلام شهيد النصرة:
إنّ القارئ لتفاصيل السيرة الحسينيّة، يعرف بيقين أنّ حركة الإمام الحسين عليه السلام من مقوّماتها ذلك الظلم الواقع على أبناء الأمّة الأمنيّ والاقتصاديّ وحتّى الفكريّ والعقائديّ، ولم يكن مثل الحسين عليه السلام ليقرّ على ذلك ولا ليسكت عن استصراخ دين الله له وهو الأجدر بالنهوض والثورة، ولكن ثمّة أمر آخر واضح وهو تلك الكتب التي أتته والرسل التي وافته من شتّى أرجاء الأمّة وبالخصوص من أهل العراق يشكون ما يقع عليهم من ظلم بني أميّة، فاستصرخوا كما عبّرت زينب عليها السلام الحسين وأهل بيته والهين... لكن كان ما كان من خذلان...

ندعو الله أن يجعلنا من الثابتين الناصرين المتناصرين المتعاونين على كلّ ما فيه تقوى الله تعالى.
* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة المائدة، الآية 2.
2- سورة آل عمران، الآية 110.
3- سورة المائدة، الآية 2.
4- سورة الأنبياء، الآية 92.
5- الكافي، ج1، ص405.
6- الكافي، ج2، ص163.
7- وسائل الشيعة، ج16، ص256.
8- ميزان الحكمة، ج 2، ص 1774.
9- الصحيفة السجّاديّة دعاء التوبة.
10- نهج البلاغة، الوصية رقم 47.
11- سورة الحجّ، الآية 40.
12- بحار الأنوار، ج75، ص359.

الخميس، 29 أكتوبر 2015

التقوى السياسية الشيخ قاسم السوداني

اذكروا عطش المجاهدين السيد جاسم الجزائري

#السيد_هاشم_الحيدري (نُتهم ولايُتهمون!!!!)

المشرف : الشيخ ابو علي الفاطمي @@ 2015 @@

Designed by Templateism